السبت، يونيو 19، 2010

خارج نطاق الخدمة


قبل أن أبدأ:

إمام باب تجارة  بجامعه القاهرة ، كان يقف 

و أمام احد محلات تصوير الأوراق كان ينتظر صديقه.

بعد المغرب بقليل ، و الطلبة إعدادهم بالمئات ، و البعض  يبحث عن غايته ،و الأخر في انتظار طلب من محل طعام ، أو في انتظار تصوير أوراق ، أو جالس على قهوة يمضى وقته ، أو يقف لفرجة على المارة ........كوكتيل من البشر صغير السن . 

و عامل القمامة الكبير في السن يتقدم بزيه المميز بهدوء من محل مخبوزات ليطلب شراء "قرصه "،

يترك العربية التي يدفعها إمامه على جانب الطريق متأكدا من أن لا أحد سيفكر بسرقتها و الفرار بها .ويدخل المحل واثق الخطى .

وبعد ان ينتهى من الشراء

يخرج من المحل 

و يقسم "القرصة " نصفين

يضع النصف الأول في جيبه

و الأخر يذهب به إلى رجل فقير يستند على حائط ، حالته سيئة جدا و ثيابه رثه هو يطلب منه  أن يدعو له ، فيرد عليه : ربنا يزيدك من نعيمه و  يحبب فيك خلقه و ميحوجكش لحد أبدا !!

انتهى 

الموقف الأول :

كنت في بداية عملي امضي أول شهرين في قسم الجراحة و الطوارئ أثناء فترة الإمتياز ، و في يوم شديد الحرارة جاء إلى المستشفى التي اعمل بها ( ولا داعي لذكر اسمها ) مصاب صغير السن ( 5 أو 6 سنوات ) صدمته سيارة طائشة على الطريق ثم فرت هاربة ، و يبدو من شكله أنه أحد أطفال الشوارع ( وهكذا اخبرنا من احضروه إلى المستشفى ) ، ولا أحد يعلم اسمه و لا مكان سكنه و محل إقامته. و من احضروه اخبرونا أنه أحد أطفال الشوارع ولا احد يعلم عنه شئ ،  وكان هذا الطفل المصاب في حالة شديدة السوء ......حاول معه النائب المتواجد في قسم الجراحة أن يقدم له بعض الإسعافات الأولية لكنه وجد أن حالته شديدة السوء ، و في حاجة إلى تواجد الأخصائي ، لكن الأخصائي لم يكن متواجد في المستشفى ، كان في عيادته الخاصة يحاول أن يحسن من مستواه المعيشي !

فكان قرار الطبيب النائب المتواجد في القسم أن يترك الطفل كما هو إلى أن يموت في سلام To Die In Peace )!)؟؟

أغرب قرار يمكن أن يتخذه طبيب !

ولأنى لا أملك من العلم و لا من القدرة على تقديم أى مساعده لهذا المريض فقد  حاولت مناقشه الطبيب في هذا القرار ، فكانت الإجابة ( الشديدة البساطة – و الصادمة ) ان هذا المريض في حاجة إلى عناية و مستوى طبي معين غير موجود في المحافظة التي اسكن فيها ، و بالتالي فإنه حتى على فرض أن الأخصائي موجود فإنه لا يملك من الخبرة و العلم ما يعينه على التعامل مع مثل هذه الحالات ، و حتى لو كان يملك الخبرة و العلم فإن المستشفى لا تملك الإمكانيات و الأدوات التي تساعد هذا المريض ، فأما أن يذهب هذا المريض إلى مستشفى خاص لديها امكانيات مادية و بشريه لعلاجه لكنه بالتأكيد لن يتحمل المقابل المادى لها أو  أن ندعه يموت بسلام !  

هذا الموقف يمكن أن يحدث لأي شخص منا _عافنا الله و إياكم _ فهل لأننا فقدنا هويتنا وأسمائنا نفقد حقنا في الحياة " الذي هو أهم حق لك " ، و لماذا لا يكون هناك نظام فعال و قوى من الإدارة و من المجتمع نفسه يكون قادرا على اكتشاف الأخطاء و تقديم الحلول لها .ودافعا نحو سد الفجوة بين ما هو موجود و بين ما هو مأمول من خلال ما هو متاح ! 

 أم أن هذه الفئة خارج نطاق الخدمة ؟!

الموقف الثاني :

وكنت وقتها في المنيا ( محافظة في شمال الصعيد ) وجائنى هاتف من صديق لي هناك أن معه مبلغ من المال و أنه سوف يذهب إلى أحد من يعرفهم في مركز ملوي بالمنيا لتوزيعه على الفقراء ، فهل أنت راغب في المشاركة ؟

كانت أجابتى : بالإيجاب ، و هكذا جهزت نفسي لقضاء ليله في توزيع المال على الفقراء ، لكنى في هذه الليلة مررت بتجربة لم استطع أن أنساها حتى الآن ، لقد كان و ضع العائلات التى مررنا عليها في غاية السوء ، لدرجة أنى لم استطع تخيل أن هؤلاء أحياء بالفعل !

في بعض الأحيان كنت اعتقد أننا في حلم !

بيت كامل من أب و أم و أبناء يعيشون في غرفه لا توجد بها كهرباء تماما !

وعندما مررنا عليها قال لي صديق : توقف !

قلت : لماذا ؟

قال : هنا يسكن اناس

قلت له : أين ؟

فخرجوا علينا من داخل ظلام الغرفة إلى النور البسيط الذي يضئ الشارع !

لولا أن صديقي أخبرني أن هنا بشر ما كنت تخيلت ذلك .

لم أكن أراهم

وأظن أن المجتمع أيضا لا يراهم !!

صدمتي كانت اننى عندما مررت عليهم لم أكن أراهم حقيقا ، لم أكن أتخيل انه يمكن أن يكون خلف ظلام هذه الغرفة عائله كاملة تعيش هنا . و تخرج علينا من داخل هذا الظلام !

صدمتي كانت : أنى لم أكن أراهم

لم أكن أعلم بوجودهم

مررت عليهم دون أن أراهم  رغم أنهم كانوا امامى .

هم امامى و إمام المجتمع لكن لا أحد يراهم .

هم خارج نطاق الخدمة 

وقتها علمت أن رؤيتنا للحياة ناقصة تماما ، إن جزء كبير من صورة الحياة لا نراها و لا نعلم بوجودها .




قبل أن أنتهى : 
" إنما تنصرون و ترزقون بضعفائكم " حديث شريف