الأربعاء، يوليو 25، 2007

الحسم الإنتخابى في تركيا


بعد إنتهاء الإنتخابات النيابية المبكرة في تركيا و ظهور نتائجها التى أعلن من خلالها فوز حزب العداله و التنمية بحوالى 50% من مقاعد البرلمان بدا واضحا أن تركيا قد بدات في الدخول الحقيقى في مرحله مختلفه من حياتها السياسية ، و اننا بصدد إعادة تكوين للمشهد السياسى التركى . و بينما كانت الفرحه تغمر الكثيرين بسبب فوز حزب العداله و التنميه كانت التساؤلات تزداد عن إمكانيه قيام إنقلاب عسكرى على هذه النتائج مثل تلك الإنقلابات العسكرية التى تشتهر بها تركيا و أخرها الإنقلاب الذى تم ضد نجم الدين أربكان ، و عن الصراع في تركيا بين العلمانيين و الإسلاميين هل أنتهى أم أنه سيتخذ أشكالا أخرى ؟

الإنقلابات العسكريه في تركيا ....تاريخ مشرف
في 28 فبراير/ شباط 1997 اجتمع القادة العسكريون برئيس الوزراء نجم الدين أربكان ووضعوا أمامه (17) مطلبا لتنفيذها، وتضمنت إغلاق المدارس الثانوية الإسلامية، وتمديد مرحلة الدراسة الابتدائية من خمس إلى ثماني سنوات يمنع خلالها تدريس مادة (التربية الدينية) للأطفال دون سن الـ15، وتحويل كافة الأوقاف الإسلامية إلى ملكية الدولة، وإغلاق مساكن الطلبة والشباب الممولة من قبل الأوقاف الإسلامية، ومنع استخدام غطاء الرأس للنساء في دوائر الدولة الرسمية وغيرها من المطالب. كان ذلك الإجتماع هو البدايه الحقيقية من أجل القضاء على حزب الرفاه صاحب التوجه الإسلامي من خلال إنقلاب على الحكومه بتخطيط من الجيش و لكن بدون تدخل العسكر فيما سمى و قتها بالإنقلاب الأبيض . !!
لكن لم تكن تلك هى المرة الأولى التى يتدخل فيها الجيش من أجل تغيير إراده الشعب التركى ،فهناك تاريخ مشرف لذلك (تواريخ الانقلابات العسكرية المباشرة أعوام 1996 و1971 و1980، وغير المباشرة عام 1997)
فهل تكون نتيجه هذه الإنتخابات سببا لإنقلاب عسكرى جديد في تركيا ؟

المتأمل في المشهد التركى والساحه السياسيه التركيه يجد أن هذا الإحتمال هو إحتمال ضعيف _وإن كان لا يمكن إستبعاده _ لأسباب :
منها أن علاقه حزب العداله و التنميه بالولايات المتحده و الإتحاد الأوربى هى علاقه قويه و لا يمكن تجاوزها أو التقليل منها ، لذلك فإن هذا الدعم الذى يحصل عليه الحزب _والذى لم يكن متوفرا فيما سبق لأى من الأحزاب التى و قع ضدها الإنقلابات العسكرية_سوف يكون عائقا امام أى تفكير في محاوله الإنقلاب عليه .هذا بالإضافه إلى أن حزب العداله يمتلك سجل مشرف من التطور في الحريات و الديموقراطيه خلال فترة حكمه ، هذا السجل هو الذى دعم صورته لدى الغرب و ساعد على قيام علاقه قويه معه ، حيث يبدو الحزب وكأنه يقوم بحمله إصلاحيات سياسيه من أجل مزيد من الحريات و الديموقراطيه و بالتالى فانه من الصعب على الجيش تبرير أى إنقلاب سوف يقوم به ، بل إنه سوف يكون مرفوض محليا و دوليا .
إذا أضفنا إلى ذلك أن سبب الإنقلابات السابقه المعلنه كانت الحفاظ على العلمانيه و إستبعاد الإحزاب الإسلاميه من الحكم ، فإننا هنا بصدد حزب أعلن بعد فوزه بالإنتخابات أنه سيحافظ على المبادئ العلمانيه للدوله ، و لا يحتوى البرنامج الحزبى الخاص به على أى ذكر لكلمه الإسلام لذلك فلا يمكن باى حال من الأحوال الحديث عن إنقلاب عسكرى من اجل الحفاظ على العلمانيه أو إستبعاد حزب إسلامى .
لكن كل ذلك لا ينفى أن هذه الإنتخابات كانت هى المظهر الملعن للصراع العلمانى –الإسلامى في تركيا ، و ان نتيجتها مثلت حسم الشعب التركى لإختياراته ، حيث إختار بإجماع قل حدوثه في تاريخ تركيا الحديث الإسلاميين على العلمانيين . ( هل يذكرك هذا بالإنتخابات التشريعيه الفلسطينيه عندما حسم الشعب إختياره للمقاومه على التفاوض ). و لنتذكر معا ان السبب الرئيسى لهذا الإنتخابات النيابية المبكرة هو الصراع الذى دار بين الأحزاب العلمانية و بين حزب العداله و التنميه من أجل عدم ترشيح عبدالله جول"وزير الخارجيه" على منصب رئيس الجمهوريه لأن زوجته محجبه . و أن هذا يهدد العلمانية في تركيا .
لكن الواضح الان ان هذا الصراع قد إنتهى بالضربه القاضية لصالح العداله و التنميه ، و اننا الآن بصدد صراع جديد ، هو صراع بين تيار تجديدى ديموقراطى يهتم بالحريات والإصلاح السياسى و الإقتصادى و الإندماح فى الإقتصاد العالمى ، و هو تيار العداله و التنمية . و تيار أخر يهتم بمبادئ و أصول الجمهوريه الأتاتوركيه التى أنشئها كمال اتاتورك فى عشرينات القرن الماضى .
إنه صراع الآن بين الديموقراطيين والجمهوريين . و من العبث العوده للحديث عن صراع إسلامى –علمانى .
لأنه ثبت يقينا الآن أن حزب العداله و التنميه لا يحسب نفسه على الإسلاميين .

أوردغان ....اربكان
يجب التأكيد هنا على أن الدستور التركى يمنع قيام أى أحزاب بها ذكر للدين فى برنامجها ، و انه طالما أستغل الجيش هذه النقطة في إنقلاباته السابقة . لذا فإن أى حزب في تركيا هو حزب ليس له أى مرجعيه دينيه و إلا يصبح غير قانونى . و هذا من الناحية القانونيه .
اما من الناحية الفعليه فإن حزب العداله و التميه نشأ فى الأصل من خلال افراد كانوا جزء من حزب الرفاه التركى الذى كان نجم الدين اربكان هو الأب الروحى له ، و اربكان هو الأب الروحى لكل الأحزاب الإسلاميه التى تم إنشاءها في تركيا و تم غلقها من خلال الإنقلابات العسكريه ، و هو عضو في جماعه الإخوان المسلمين .
رجب طيب أردوغان و عبدالله جول لم تعجبهم فكرة الحزب الذى يحل من أن لآخر من اجل إعلانه أنه حزب يدعو للمبادئ الإسلاميه ، لذا فإنه بعد نشأه حزب السعاده كبديل عن حزب الرفاه ، رفض رجب اوردغان الإنضمام إليه و قام هو و جول بغنشاء حزب جديد هو حزب العداله و التنميه رفض ذكر الإسلام فى برنامجه التأسيسى بالكليه . و رفض ايضا من خلاله بعض أفكار الأب الروحى لهما نجم الدين أربكان .
فبينما كان يدعو أربكان إلى رجوع تركيا إلى أصولها الإسلاميه و الإندماج في العالم الإسلامى و التنسيق مع الدول العربية من خلال الدول الثمانى الإسلاميه الكبرى ، و هى الفكرة التى تبنها أربكان من اجل إقامه تحالف من الدول الإسلاميه الكبرى لتكون كجبهه موحده تقود العالم الإسلامى و تصنع منه كتله لها تأثير في السياسه و الإقتصاد الدوليين و عمل على تفعيلها خلال فترة ولايته رفض أوردغان هذه الفكرة و رأى ان مستقبل تركيا هو في الإساس في إندماجها في الإتحاد الأوربى ، و ان الدول الإسلاميه لن تقدم لتركيا الكثير لأن أغلبها من دول العالم الثالث النامى او التى لا زالت في بدايه سلم التطور الحضارى و الإقتصادى على عكس دول أوربا التى تعتلى عرش العالم إقتصاديا و حضاريا . لذا فقد تنبى حزبه فكرة إنضام تركيا إلى الإتحاد الأوربى بقوه وبذل جهدا كبيرا في هذا المجال على الرغم من معارضه عدد من الدول الوربية لذلك . خوفا من دخول تركيا "المسلمه" إلى الإتحاد الأوربى"المسيحى" .!
و بينما كان يدعو اربكان إلى دمج الإقتصاد التركى فى إقتصاديات الدول الإسلاميه النامية مثل ماليزيا و أندونيسيا و غيرها دعا اوردغان إلى ربط الإقتصاد التركى بالإقتصاد العالمى بصفه عامة و بالإقتصاد الأوربى بصفه خاصه .و تبنى أوردغان عدد من سياسات البنك الدولى التى رفضها أربكان .
هذا بالإضافه إلى أن أوردغان رفض أن يطلق على حزبه مايدل على أنه حزب إسلامى ، و اعلن أكثر من مرة انه يحترم العلمانية في تركيا ، و أن سوف يعمل من خلالها .
لكن رغم وجود هذه الإختلافات بين حزب السعاده و حزب العداله و التنميه إلا أنه تبقى ان هناك حقيقة يجب التأكيد عليها ، فرغم إختلافنا أو إتفاقنا مع أوردغان فى موقفه من الإتحاد الأوربى و من موقفه من الإقتصاد التركى و إلى أين يجب أن يتجه ، إلا أنه هناك حقيقه تبدو ناصعه أن أوردغان هو نتيجة للنظام التربوى للحركة الإسلاميه التى أستطاعت أن تخلق من عامل بسيط في الميناء إلى رئيس وزراء تركى ينتخبه الناس لمرتين متتاليتين بسبب نجاحه في إداره البلاد رغم أن هذا لم يحدث إلا نادرا في تاريخ تركيا الحديث .و أنه إستطاع من خلال تجاربه و خبراته مع الحركة الإسلاميه كرئيس لبلديه إسطنبول ان يكتسب عدد كبير من الإخلاق و المبادئ و التصورات التى اثرت عليه فيما بعد أثناء إدارته للبلاد .
فتللك المبادئ و القيم التى تربى عليها هى التى ساعدته بشكل كبير على إختيار معاونيه و مستشاريه الذى ساعدوه فيما بعد على إختيار سياسات اكثر عداله و اكثر شفافيه ، كما أنها أكدت أن التربية على الشورى و الحريه داخل الحركات الإسلاميه هى نموذج يجب تدريسه فى كيفيه الإختلاف وأدب الحوار فيما بعد . فاودرغان لم يخرج منه أى تصريح فى حق استاذه أربكان رغم إختلافهم السياسى الآن ، و حزب السعاده مازال يصر على أن أوردغان أخطأ و انه يجب أن يعود إلى حظيرة حزب الرفاه لكنه لا يتهمه بالتخوين أو العماله .
كل هذه دورس نستفيد منها من الإنتخابات التركيه ، و لازال هنال الكثير .



ليست هناك تعليقات: