السبت، نوفمبر 17، 2007

مولانا "عدنان مندريس"




لو كان نجم الدين أربكان هو "مهندس الحركة الإسلامية بتركيا" فإن عدنان مندريس هو من وضع اولى لبناتها في هذا الصرح الكبير رغم أنه لم يكن "إسلاميا" في يوم من الأيام !
لطالما تشدق الكثيرون في الشرق بأنه لو أعطيت الحريه الحقيقية للشرق فإنها سوف تظهر الحجم الحقيقى للتيارات الإسلامية ، حيث انها لن تتعدى باى حال من الأحوال ال20% ، و ان مايحصلون عليه الآن في الإنتخابات هو نتيجة التعاطف معهم لأنهم مضهدون و ليس لأن لديهم برنامج حقيقى للإصلاح و التغيير .
وعلى الجانب الأخر ، يعلن الإسلاميون ليل نهار أننا فقط لو نمتلك الحريه الحقيقة في بلادنا لكنا قد أسسنا لنهضة يتحدث عنها العالم .
فمن نصدق ؟
مولانا "عدنان مندريس " لديه الجواب عن هذه الإشكالية .

ماقبل مندريس
يوم 3 مارس 1924 يوم له وقع خاص في تاريخ تركيا .
ففى هذا اليوم أعلن مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافه الإسلامية ، و إنتهاء العمل بالشريعه الإسلامية كمصدر للحكم و بدأ في تطبيق مجموعه من الإجراءات الجذرية للتغيير في تركيا بدأت بإلغاء الأذان ، و إلغاء الحروف الأبجدية العربيه، و أعاد صياغه النظام التعليمى التركي على النهج العلمانى . يمكننا القول أن أتاتورك أراد أن يغير من وجه تركيا بطريقته الخاصه. و في سبيل ذلك وضع عدد من المبادئ السياسية التى كانت "الدستور" الذى كان يحكم عملية التغيير في تركيا .سميت بالمبادئ السته ، و هى
1_الجمهورية : بمعنى انه لا خلافه بعد اليوم ، لكن نظام الحكم في تركيا هو نظام جمهوري.
2_ القومية : بمعنى أنه لا وجود للرابطة الإسلامية ، بل الوجود فقط للرابطة "القومية التركية "
3- الثورية : يمعنى ان أسلوب التغيير هو أسلوب التغيير الثورى من القمة إلى القاع لكى يحدث تغيير شامل في المجتمع .
4_ العلمانية : بمعنى أنه لاوجود لنظم الحكم الإسلامية أو أى تصور ذو مرجعية إسلامية (تركيا في الأصل لا يوجد بها غير المسلمين !) ، إنما النظام هو نظام علمانى معادى للدين (النموذج الفرنسى في العلمانية ).
5_ الشعبية: بمعنى انه سيتم إلغاء أى نفوذ للإ قطاعين و الرأسمالين و سيصبح كل شئ ملك الشعب .
6_ التحديث: و أن يتم إن شاء تغيير في النظام الإجتماعى و الإقتصادى لتحديث تركيا من خلال مؤسسات الدوله .
بالمختصر .........
خلق مصطفى كمال أتاتورك "دين" جديد بتركيا بديلا عن الإسلام هو "الكمالية" !
فكل شئ في تركيا أصبح يبدأ و ينتهى عند إتاتورك و مبادئه السته .
و عمليات التغيير كلها يجب أن تتم و فق "الشريعه الأتاتوركية " .
كل شئ جميل هو موافق للمبادئ الأتاتوركية ، و كل شئ قبيح هو مستهجن في هذه المبادئ !
ورفع كمال أتاتورك محموعه من الشعارات لحفز الشعب على قبول التغيير ، منها
" ليس للتركى صديق سوى التركى "
"سعيد أنت أيها التركى أن تكون تركيا "
وهكذا دخلت تركيا مرحله شديده القسوة و العنف في نفس الوقت ، فاصبحت المشانق التى تنصب في الميادين شيئا عاديا في حياه التركى ، و أى من سيعلن رفضه لهذه المبادئ و الأفكار فسوف يعدم أمام المارة ليكون عبرة لمن يعتبر . و أى محاوله للثورة او حتى للإعتراض قوبلت بقسوة و بشده شديده حتى لا تكون حافزا للغير على التعبير عن إحتجاجهم عما يدور .
لكن _كطبيعة الأمور_ مات اتاتورك في نوفمبر 1943 و أصبحت تركيا على المحك :
هل تسير في نفس الطريق الذى سار فيه أتاتورك أم تأخد طريقا أخر ؟

العلمانية هى الحل

في هذا الوقت بدأ ظهور مندريس في تاريخ تركيا
مندريس بدأ حياته عضو مطيع في الحزب الذى أسسه كمال أتاتورك حزب "الشعب الجمهورى" ، مؤمنا بمبادئه التى قام عليها من : العلمانية ، الجمهوريه ...........إلخ و غيرها من المبادئ التى دعى إليها كمال أتاتورك ، وبعد وفاه اتاتورك ظل في الحزب حتى عام 1945. في ذلك الوقت كان عصمت إينو رئيس الجمهورية وقتها يريد أن يجمل صورة تركيا أمام العالم ، فسمح بحرية إنشاء الأحزاب بعد أن كان ممنوعا وجود أى حزب بخلاف حزب الشعب الجمهورى ، لذا فإن مندريس وجد الفرصه سانحه مستغلا حاله من السخط الشعبى و الغضب المكبوت لدى الشعب جراء الإجراءات التى إتخذها اتاتورك و من بعده عصمت إينو ، فقام _بالإضافه إلى ثلاث نواب أخرين في البرلمان _بإنشاء الحزب الديموقراطى .
الحزب قام على فكرة بسيطة :
أن الأتاتوركية هى مرحله قد إنتهت و ان علينا التعامل مع العالم باسلوب أخر.
بالطبع يخطئ من يعتقد أن مندريس كان يطالب بإلغاء الجمهورية أو عودة الخلافه أو أنه كان يسعى إلى القضاء على العلمانية . هذا كلام لايمكن أن يفكر فيه أحد بتركيا في ذلك الوقت . لكنه كان فقط يحاول أن يعدل قليلا من مسار الجمهورية الجديده و أن يصوب أخطائها .و أستغل أن تركيا في ذلك الوقت كان يجب أن تظهر للعالم كدوله متقدمة بها أحزاب و إنتخابات و حريه . تبنى خط الحريات و حقوق الإنسان ، خط الإهتمام بالطبقات الإجتماعية شديده الفقر و الطبقات الفوق متوسطة التى أضيرت بشده من إجراءات أتاتورك ، كان يبنى خط أكثر إنفتاحا تجاه التجاره الداخلية و الخارجية . بالإضافه إلى ذلك فإنه تبنى إلغاء القرات المعادية للدين التى أتخذها أتاتورك من إلغاء الأذان باللغه العربية و إلغاء المدارس الإسلامية و غيرها من الإجراءات التى إستفزت قطاعات عريضة من الشعب التركى لكنه لم يكن يستطيه معارضتها و إلا كان مصيره إلى حبل المشنقه . هذه الرغبه في تخفييف حده الإجراءات المعادية للدين لم تكن ترجع لتبنيه للفكرة الإسلامية بل لقناعته الشخصية أن العلمانية لا تعنى معاداه الدوله للدين بل تعنى الفصل بينهم .
هذه القناعات التى حملها مندريس لم تكن إكتملت بعد في عقله عندما تقدم إلى الإنتخابات البرلمانية عام 1946ليحصل وقتها على 62 مقعدا فقط ، لكنه في الإنتخابات البرلمانية التالية حقق المفاجأه بفوزه بالأغلبية الساحقة و تشكيله الحكومه و إبعاده الحزب الجمهورى الذى أسسه كمال أتاتورك مؤسس الجمهوريه عن السلطة ، لينتقل الحزب من صفوف السلطة إلى صفوف المعارضه ،وسيترك السطلة التى لن يرجع إليها إلا بعد فترة طويله جدا و لمده قصيرة !
هذه الإنتخابات التى يمكن ان نطلق عليها "أنها كانت بالفعل إنتخابات مصيرية غيرت تاريخ تركيا "، فلقد قام مندريس بتطبيق هذه الأفكار التى دخل بها الإنتخابات ، و بذلك حصل على تأييد الشعب أكثر و أكثر ليفوز في الإنتخابات التالية أيضا بالأغلبية المطلقة .
الحزب الوطنى الذى يتزعمه مندريس كان بقوم بصفه أساسية على فكريتن :
إعطاء مساحة من الحرية أكثر داخل المجتمع التركى ، و إحترام الإسلام بطقوسه و شعائره .
لم يكن مندريس يحمل أجنده إسلامية باى حال من الأحوال فهو قد قام بوأد أى محاولات لإنشاء أحزاب دينية في عهده و تمسك بالعلمانية كمنهج اساسى للحكم بتركيا .
لكنه دون أن يدرى كان يضع اولى لبنات المشروع الإسلامى في تركيا .
الحريات بداية الإنطلاقه
اليوم في تركيا هناك جدل شديد على أن حزب العدالة و التنميةهو إمتداد لتيار ( يمين الوسط )الذى بدأه عدنان مندريس بالحزب الوطنى في الخمسينات ، و أن العداله و التنمية لا يمكن ان يحسب على التيار الإسلامى .
لكن الأهم من هذا في رأى أن مندريس بحزبه و مبادئه التى تبنت الحريات وإحترام القانون و حرية التعبير كان سببا مباشرا و رئيسيا لبروز نجم الدين أربكان فيمابعد و إشتراكه كعضو داخل تيار (يمين الوسط ) الذى نشا في تركيا ، ثم إستقلاله فيما بعد لتكوين التيار الإسلامي (هو تعبير خادع بالطبع فتركيا لا يمكن ان يكون فيها تيار إسلامى بالمعنى المتبادر في أذهان القارئيين ) الذى أصبح جزء أساسى من الحياه السياسية في تركيا ليصل ليشارك في الحكم من الستينات و إلى الأن بصفه تكاد تكون منتظمة !
مندريس دون أن يدرى وضع لبنات المشروع الإسلامى لأنه تبنى خط الحريات و إحترام حرية التعبير .
فأصبح بذلك من مؤسسى المشورع الإسلامى في تركيا دون أن يدرى .
لكنه في سبيل ذلك إستحق ان يقوم الجيش التركى بغنقلاب من إجله عام 1960 ، لإعاده الأمور إلى طبيعتها و إلغاء كل ماقام به مندريس ، و كان من أهم قرارات هذه الإنقلاب العسكرى هو إعدام مندريس !
نعم ..........أعدام مندريس
جراء ماقام به من إصلاحات !
إننى أعتقد أنه على الإسلاميين في تركيا أن يولوا إهتمام أكبر بما قام به مندريس ، و إن يتم الإحتفاء به و ذكره كلما سنحت الفرصه لذلك ، فالإجراءات الى قام بها مندريس كات سببا مباشرا لتغيير وجه تركيا . وفي سبيل ذلك ضحى بحياته !



هناك 6 تعليقات:

عبدالرحمن رشوان يقول...

جزاك الله خيرا أخى الكريم على هذه المقالة الرائعة

والتى تعرفنا بتاريخ تركيا
فمعرفة الماضى طريقنا لفهم الحاضر والمستقبل
أخوك
عبدالرحمن رشوان

المهدي الصالحي يقول...

حقا ما قلته

غير معرف يقول...

أقام علاقات قوية مع الولايات المتحدة وساند مخططاتها في المنطقة وخارجها بما في ذلك إرسال قوات تركية إلى الحرب الكورية ووضع تركيا في مواجهة حركة القومية العربية الصاعدة آنذاك بزعامة جمال عبد الناصر.ووقع داڤيد بن گوريون وعدنان مندريس اتفاقية تعاون ضد التطرف ونفوذ الاتحاد السوڤيتي في الشرق الأوسط.

غير معرف يقول...

الصورة ليست لمندريس , بل للعلماني صديق اتاتورك المقرب عصمت اينونو. أنا ضد الكلمة "دون ان يدري" فسياسي محنك كمندريس كان يعلم تماما ما يفعله.. فتوجهه كان اسلاميا وان لم يعلن ذلك.. فالمساجد التي باعها اتاتورك لتستخدم لخزن الحبوب اشتراها مندريس واعاد فتحها وكانت حوالي 35 الف مسجدا. لم يستطع انشا احزاب دينيه ولكنه فتح عدة مدارس لتحفيظ القران وكليات لتدريس الاسلام والفقه لتخريج علماء اسلاميين. أعدم لأنه كان يضيق على اي تبادل تجاري لليهود وان توجهه الاسلامي اتضح ولو انه حاول اخفاءه

غير معرف يقول...

هو الشهيد باذن الله عدنان مندريس رغما عن العلمانيين!

Murad Alrefai يقول...

رحم الله عدنان مندريس وشهداء المسلمين اجمعين