
شوارع الفيوم تكاد تكون خاليه من المارة إلا قليلا .........
و البروده تأكل العظام .........
و أنا أخرج من مقر أمن الدوله بالفيوم أحمل حقيبة صغيرة بها بعض المتعلقات الشخصية ، و ا"البطنية " الخاصه بى التى أحملها منذ الليله الأولى من إعتقالى كى تقينى البرد .
أتقدم بخطوات ثابتة إلى الشارع الرئيسى ، ثم أنظر إلى مبنى أمن الدوله بالفيوم لكنى أقرر أن أكمل السير بصورة أسرع ، أوقف تاكسى ........رغم أنى في الحقيقه لا أملك و لا حتى 5 قروش في جيبى !
لكنى بكل ثقه أوقفت التاكسى و طلبت منه بثقه أكبر أن يوصلنى إلى المنزل الذى يبعد عن الفيوم حوالى 15 كيلو .
السائق كان يدير الكاسيت بصوت عالى و احد المغنيات كان صوتها يملأ أنحاء التاكسى ، طلبت من السائق أن يخفض من صوت الكاسيت ......وبعد برهه أضفت :
" مش معقول يكون لى 60 يوم في سجن طرة و في أول خروج لى أستمع إلى الأغانى "
نظر لى السائق بإندهاش لكنى تداركت الموقف : انا سياسى مش جنائي
و عندما شعرت أنه لا يفهم ماأريد قوله أضفت : أنا إخوان مسلمين مش حرامى يعنى .
فأضاف هو و ضحكة السخرية تملأ و جهه :و انا مخبر في لاظوغلى !
ضحكت و قلت : كل لاظوغلى حبايبنا و بيحبوننا في الله !؟
أسندت رأسى إلى الكرسى ، و أخذت وضع الراحه و أغمضت عينى .
و بدأ شريط الذكريات يمر أمامى .............
بعد برهه ..
فتحت عينى و نظرت إلى الطريق و قلت :
شكرأ ............أمن الدوله
كانت الخطوات الأولى لدخولى إلى مكتب وكيل النيابة بطيئة مرتبكة ،لكنى على الفور إستدعيت من الذاكرة مواقف أخرى مشابهه أمام المحقق في الكلية و أمام وكيل الكلية و أمام العميد و أمام نائب رئيس جامعه القاهرة ووضعتها كلها امامى و بعدها أخذت نفس عميق و بدأ التحقيق .
وكان أول سؤال : لماذا ألقى القبض عليك ؟
فقلت له : لأنى رجل كويس !
السكرتير الذى كان يكتب توقف عن الكتابة و نظر إلى عينى مباشرة .
قال و كيل النيابة : يعنى هما مبيقبضوش في البلد دى إلا على الكويسين ، إنت أكيد عملت حاجة ؟
قلت له : و القاضى الذى ضرب "بالجزمة " امام نادى القضاه ماذا فعل لكى يضرب "بالجزمة" ، أليس لأنه راجل كويس ؟
وكيل النيابة أخذ و ضع أكثر جديه في الجلوس و توجه إلى بالكلام قائلا :دا موضوع مختلف ، أنا في الأصل ضد مشاركة القضاء في المواقف السياسية ، القضاء سلطة مستقله و لا يجب عليه أن يكون طرف في أى صراع سياسي
قلت لوكيل النيابة : لكن مواقف القضاه لم تكن مواقف سياسية ، لقد كانت مواقف وطنية بإمتياز ، المواقف السياسية من الممكن أن نختلف فيها و أن يكون لنا أكثر من وجهه نظر أما في المواقف الوطنية فإن الكل يكون مجمع عليها .
وكيل النيابة : يادكتور أحمد ، القضاه سطلة مستقله مكانها قاعات المحاكم و ليس في النوادى أو في الشارع .
أجبت : لكن ما حدث في مصر حدث في أغلب دول العالم ، تدخل القضاء في الشأن العام سمه عالمية الآن ، الأزمة الدائرة الآن في باكستان هى بالأساس بسبب أن رئيس الجمهورية "مشرف" قام بإبعاد رئيس المحكمة الدستورية العليا و الشعب رفض مثل هذا التدخل لذلك وقفت كل قوى المعارضه في موقف وطنى أصيل ضد الرئيس ، حتى في أوكرانيا عند حدوث الثورة البرتقالية فإن القضاه في النهاية هم الذين قاموا بالدور الأكبر في إنهاء الإعتصامات و إظهار النتاتئج الحقيقية للإنتخابات ......و غيرها من الدول .
وكيل النيابة : أنا أتفق معك ، هناك مدرستان في القضاء المدرسه الفرنسية و المدرسه الإنجليزية ، أحدهما ترفض تماما تدخل القضاه في الشأن العام و الأخرى تقبل ذلك . لكن طالما أن الأمور كانت تسير بسلاسه و لا يوجد تهديد حقيقى للقضاه فأنا أرى أنه لم يكن هناك أى داعى لما قام به القضاه.
أجبت : لكن أن يجتمع 6 ألاف قاضى في جمعية عمومية طارئه قادمين من كافه أرجاء الجمهورية رغم بعد المسافه و مشقتها فهذا دليل على أن هؤلاء القضاه لديهم قناعه أن هناك "شئ ما خطأ" يحدث للقضاء في مصر .
السكرتير طوال هذا الوقت متوقف على الكتابة تماما و ينظر إلى بغضب ، و المحامى الذى يحضر معى يستمع إلى الحوار في سعاده بالغه و من أن لأخر أنظر إليه فأجده يبتسم لى مشجعا لى على مواصله الحوار .
وكيل النيابة : لو هناك "شئ ما خطأ " مثلما تقول فإن من يجب عليه التحرك ليس القضاه بل الشعب .
أنا "مستفسرا": بمعنى ؟
أجاب : بمعنى أن القضاء يجب أن يظل في هيبته و مكانته و المتضرر الحقيقى من أى شئ يمس القضاه_وهم الشعب_ عليهم بالتحرك و الضغط على السلطات الأخرى من أجل مكاسب جديده للقضاه تيسير لهم أداء مهتمهم على أكمل و جه .
أجبت : و من يزعم أن الشعب لم يقم بما عليه ، لقد وقف الشعب كله خلف القضاه ، إعتصام ميدان التحرير الشهير كان دعما للقضاه ، و المظاهرات التى ألقى القبض فيها على الآف المواطنيين ألم تكن دعما للقضاه ؟! حتى المواطن البسيط الذى لا يعرف السياسه و ألاعيبها كان موقفه واضح جدا في هذا الموقف ، هو مع القضاه إلى نهاية الخط .
عند هذا الحد من الحوار كنت قد بدأ حماسي يزداد و نسيت تماما أنى أمام و كيل النيابة للتحقيق معى و لست في جلسه مسائيه هادئه مع مجموعه من المثقفيين لمناقشة الشأن العام في مصر ، لذا فقد ظل الحوار من طرفى مستمرا :
أن مايحدث الأن من إعداد مشروع جديد للسلطات القضائية هو تخطيط من أجل إضعاف القضاء أكثر مما هو ضعيف ، هذا القانون الجديد الذى لن يرضى أى قاضى في مصر سوف يفرض في النهاية على الجميع حتى يسكت صوت القضاه .
وكيل النيابة : انا لم أطلع للأسف على القانون الجديد حتى أستطيع أن أكون وجهه نظر خاصه به .
أكملت : لست في حاجة لكى تتطلع عليه لكى تكون وجهه نظر ، القضاه في جميع أنحاء الجمهورية أعلنوا رفضهم لهذا القانون ، و هم أصحاب الشأن المعنيون به ، و معنى رفضهم للقانون الجديد أن هذا القانون هو أسوأ من سابقه !
وكيل النيابة محاولا أنهاء الحوار : دى وجهه نظر بس أنا مازلت متمسك برأيي بعدم مشاركة القضاه في السياسة .
قلت : هذا رأيك و انا أحترمه ، لكن أنا كنت فقط اوضح و جهه نظرى ، و هى ليست ملزمة لك بأى حال من الأحوال .
قال : أكيد ، بس كل الكلام ده ميفرقش مع الناس ، اول ماتش كورة للأهلى هينسى الناس كل الكلام إلللى إنت قلته دلوقتى يا دكتور أحمد .
قلت له : أكيد طبعا ، لأنى الناس بتجد أن تشجيعها للنادى الأهلى ووقوفها ورائها يؤدى في النهاية إلى حصول النادى الأهلى على بطولات ، يؤدى في النهاية إلى نتائج تبعث على الفرح ، و بالتالى فإن الأهلى يصبح أهم شئ في مصر الآن ، أهم من اى قضية سياسية أو أجتماعية .
أكمل وكيل النيابة : أحد المحاميين أقترح على القبض على أبو تريكة و أسامه حسنى عشان أصبح لهم دور كبير في التأثير على الشعب في مصر ، لو ترشح أحدهم في أى إنتخابات سوف يفوز بإكتساح .
قلت له مازحا : لو تقدر تتحمل دعوات الشعب المصرى عليك من جراء هذا الأمر فأفعل !! أنت هكذا تسلب الشعب المصرى المصدر الوحيد للفرحه .
أستمر الحوار بعد ذلك في نقط أخرى لمده ساعه كاملة 9 قبل أن نبدأ التحقيق بالفعل .
كيف جاءت لى مثل هذه الجرأه أمام و كيل النيابة ، و في اول مرة !!
كان المفترض ان يكون الحوار عن الشأن الخاص بى فأنطقل إلى الشأن العام من أول كلمة .
نظرت إلى السائق و جدته منهمكا في القياده و لا يعيرنى أى أهتمام فأغمضت عينى مرة أخرى و بدأت في إستعاده الذكريات مرة ثانية .


