الخميس، ديسمبر ١١، ٢٠٠٨

أحيا الناس جميعا


: إنت إتكتب لك عمر جديد يا ابويا 
: ربنا يخليك يا دكتور 
: إنت لو تعرف إللى حصل لك إمبارح هتفضل طول عمرك تقول :الحمد لله .....و متكفيش 
: كله بفضلك يا دكتور 
: كله بفضل ربنا ، قول الحمد لله 
هذا المريض كتبت له حياه اخرى من لا شئ على الإطلاق ، و عندما اتصور ان هذا المريض لو تغيرت الظروف لكان الآن في تابوت في إنتظار ان يصلى عليه صلاه الجنازة بعد صلاة الظهر ، و زوجته تواصل معزوفه "الصويت " الأخيره ، و ان أبنائها الصغار كل منهم سوف يظل يفكر لمده طويله _و ربما طوال العمر _ عن مصدر للرزق فإنى أرجع و أقول " فكأنما أحيا الناس جميعا " . 
نحن بالفعل لا نعرف قيمة ما نقول و ما نسمع إلا بعد أن نمر به فعلا و نكون جزأ منه ، و قتها يمكننا فقط ان نقول نفس الكلمات التى كنا نرددها من قبل و لكن "بطعم " مختلف . 
وقف هذا المريض الليله السابقة على باب العناية المركزة باديا عليه أثار إرهاق من تلك التى يمكن أن تشاهدها على وجه فلاح مصري بسيط قضى طول النهار في فلاحة الأرض و عاد ليلا في قمة التعب بعد كل هذا الجهد البدنى الذى بذله طوال اليوم . 
فلاح مصري بسيط مثله مثل أى فلاح مصري أخر 
فالكل سواء في الشكل 
و السمت 
و الجهل 
و المرض 
..........
.........
وطيبة القلب 
وترك الأمور تجرى كما أراد الله بدون إظهار أى محاوله لتغييرها . !
مشتكيا من ألم "بسيط " في صدره لكنه ليس بالمؤلم و لا بالمقعد عن الحركة . 
العمر في أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات .......هذا على الورق 
أما في الواقع فإن ملامح الستينات تبدوا بادية عليه بوضوح 
فلاح مصري أصيل أنهكته الأرض حتى قضت على صحته في عز شبابه .
لا يوجد أى تاريخ مرضى للعلاج من أى امراض لكننى أقسم من الآن اننا لو نظرنا إلى كبده فسوف نجد هذا المنظر المصرى الصميم " كبد صغير الحجم رغم كبر بطنه محاط ببركة من السوائل له حواف غير مستوية و له طحال طوله أعلى من أى طول مكتوب في الكتب الإفرنجية التى نذاكر منها " 
طبيب الإمتياز وقف حائرا : هل يرده من حيث جاء ام يقوم بعمل رسم القلب له ؟ 
لو كان يعانى من ذبح صدرية أو بدايات جلطة فإنه بالتاكيد سوف يعانى من ألم " شديد " في الصدر وليس مثل هذا الألم "البسيط " 
و لكنه لأنه طبيب امتياز لازال في مقتبل حياته فإنه قرر أن يطلب منه عمل رسم قلب للإطمئنان لا أكثر .
استئذن من النائب الموجود في هذا الوقت في العناية فأذن له . 
وما هى إلا ثوانى قليله و كان مدير المستشفى و مدير قسم الحالات الحرجة في زيارة مفاجئة إلى العناية بعد منتصف الليل من أجل الإطمئنان على إحدى المريضات .........بالطبع ليست مريضه عادية بل مريضه تم التوصيه عليها من طبيب كبير او مسؤل كبير في المحافظة و إلا فإن المكان الطبيعى لمدير المستشفى الآن هو عيادته الخاصه او سريره الخاص !! 
وعمت الفوضى العناية .........
تجمع الأخصائى و النواب و اطباء الإمتياز حول مدير المستشفى ، الكل يحاول يظهر أنه موجود و انه حاضر ، و الكل يريد ان يمد يد المساعده لهذه المريضة " الغلبانة " . 
وجائت الممرضه إلى طبيب الإمتياز مسرعه برسم القلب الخاص بالفلاح و هى تحاول أن تلحق "بالزفه " المقامة الآن حول سرير المريضه و مدير المستشفى . 
رسم القلب تم عمله بطريقه خاطئة أدت إلى عدم ظهور جزء منه . 
طبيب الإمتياز في حيره من أمره ........
نادى على الممرضه 
جاءت إليه و علامات "القرف" على وجهها من هذا الطبيب الصغير الذى ليس لديه خبره مثل تلك التى لديها بعد 10 سنوات قضتها في هذا القسم و اصبحت بعدها على ثقة من أنها أفضل من أى طبيب هنا و أن ما ينقصها فقط هو أن تتحدث الإنجليزية !!!
طلب منها بأدب ان تعيد رسم القلب مرة أخرى 
: لأ ، أعيده ليه ، ما هو قدامك أهو ؟ إيه إللى ناقصه ؟ 
: رسم القلب ناقص و مينفعش الحكم على المريض بيه . 
: مش مهم الجزء إللى ناقص ، أهم حاجة الجزء إللى موجود ميكونش فيه حاجة 
: مينفعش ، رسم القلب لازم يتعاد من اول وجديد و يتعمل صح عشان نقدر نحكم على العيان . 
: انا مش هعمل رسم قلب تانى . 
: يعنى إيه مش هتعملى ؟!! 
: مش هعمل تانى ، رسم القلب يتعمل مرة واحده .....هو إحنا فاضيين عشان نعمل لعيان رسم قلب مرتيين . 
طبيب الإمتياز شعر أن البقية الباقيه من كرامته تهان الآن من قبل الممرضة التى تعلن بصراحة و بدون مواربه انها لن تنفذ أوامره لأنها تشكك في قدراته الطبية . 
وكأى طبيب إمتياز جديد .....بدأ الصراع النفسي يشتد 
لكنه أتخذ قراره 
إنت هتعيدى رسم القلب ده حالا ....أنا الدكتور هنا ، و انا إللى أقول رسم القلب ده ينفع و لا لأ . 
كان صوته قد ارتفع لدرجة لاحظها كل الموجودين بالغرفة دون أن يعلقوا عليها 
وشعرت الممرضه أنها فى موقف محرج فذهبت غاضبة لإعاده رسم القلب . 
الطبيب ظل واقفا في مكانه 
حاله من الإرتباك تسيطر عليه 
طائفه الموالسين لازالت مع مدير المستشفى لا تلقى بالا لهذا المريض الفقير الذى يشتكى من ألم "بسيط " في صدره . 
و الممرضه تعيد رسم القلب للمرة الثانية و هى في قمة الغضب 
و الطبيب في الإنتظار . 
..........
جاءت الممرضع تحمل رسم القلب للمرة الثانية 
وبدا أن هناك شئ ما غير طبيعى 
ذهب طبيب الإمتياز إلى النائب 
: فين الحاله دى ؟ 
:في أول العناية 
: دى لازم تتحجز بسرعه ، دا عنده جلطه على القلب . 

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

 


الاثنين، ديسمبر ٠١، ٢٠٠٨

الحلم الجميل

من كان ذا حلم وطال به المدى .....فليحمه 
و ليحم أيضا نفسه من حلمه 
فالحلم يكبر أشهرا في يومه 
ويزيد دين الدهر حتى يستحيل 
فإذا أستحال ترى ابن أدم راضيا من أى شيئا بالقليل 
لا تقبلوا بالقبح يا أهلى مكافئه على الصبر الجميل 
فالصبر طول الدهر خير من خلاص كاذب
مافيه من صفه الخلاص سوى إسمه 
مقطع من قصيده : 
العرش الخلي من الملوك 

الجمعة، نوفمبر ٢٨، ٢٠٠٨

الذين أحبهم


في طابا 
على البحر 
و علم إسرائيل على بعد خطوات قليله 
جلست مجموعه من القيادات الأمنية المصرية في مراكز مختلفه وقطاعات مختلفه 
كان ذلك جزء من أسبوع ترفيهي
وبينهم شخص مدنى وحيد 
شاءت ظروفه أن يكون معهم بالقدر 
ودارت عجله الحديث 
بدأت بالحديث عن النساء الجالسات الآن على الشاطئ أمامهم 
ومرت على مواضيع أخرى مختلفه 
ومثلها مثل أى جلسه رجاليه 
إنتهت بحال البلد 
وبدأت كل قياده من هذه القيادات الأمنية تتحسر على ما يحدث في مصر 
 من سرقه 
وفساد 
ونهب للمال العام 
الشخص المدنى الوحيد الجالس بينهم بدأ فمه يفتح .....
وعلامات التعجب بدأت تظهر عليه 
الحديث بدأ يمتد إلى رموز الحزب الوطنى 
هنا صديقى لم يجد نفسه إلا قائلا : 
إنتم مش عاجبكم حال مصر و إنتو السبب في إللى بيحصل فيها 
ده مفيش حد محترم في البلد دى إلا و كنتم السبب وراه عشان تقضوا عليه 
أحسن الناس في القضاه 
و احسن الناس في الصحفيين 
و أحسن الناس في العمال 
و أحسن الناس في الطلبة 
و أحسن الناس في الموظفيين 
و أحسن الناس في رجال الأعمال 
أنتم السبب في إنهم يهاجروا و يسيبوا البلد 
و أحسن الناس في أصحابي هو اللى أعتقل رغم إن كل الناس بتحبه لدينه و أخلاقه 
دا لو رقاصه رقصت في الشارع زي دينا مثلا الأمن هيكون مسؤل عن تامين "وصله الرقص " حتى تنتهى بأمان 
ولوواحد قعد في الجامع يقرأ قرأن ممكن يكون مصيره أنه يروح امن الدوله 
أنتم السبب في إللى بيحصل في مصر دلوقت . 
******************************

ماالخطأ الذى وقع فيه محمد خيرى و محمد عادل حتى يتم إحتجازهم ؟
هو السؤال الأكثر أهمية في الموضوع 
محمد خيرى طالب في كلية حاسبات ومعلومات ، لديه حماس شديد و طاقات كبيرة ولو كنا في مكان أخر غير مصر لربما كان له شان أكبر . لأنه في أى مكان خارج مصر هناك من يبحث عن شخصيه لديها صفتين رئيسيتين : الحماس و المواهب . و محمد لديه الإثنيين . 
وهو فوق ذلك صغير السن و ليس لديه أى صفات تعيق أن يكون شخصيه ناجحه :عائله قوية ، مستوى تعليم جيد ، أخلاق عاليه ، وأصحاب كلهم تقريبا لهم نفس الطموحات و الامال . ولا يعلم عنه انه يتعاطى أى مواد مسكرة أو مخدرات قد تؤثر على قواه العقليه ، و ليست له أى علاقات نسائية مشبوهه . 
أعتقد ان هذه هى المواصفات العاديه لأى شخصية ناجحة . 
لكنه لديه عيب خطير من وجهه نظر أمن الدوله التى هي الحاكم الفعلى لمصر حاليا على أرض الواقع ( دعك من لجنة السياسات و أحمدعز فهؤلاء هم الجزء الصغير الظاهر من جبل الثلج أما الجبل نفسه المختفى تحت الماء فهو أمن الدوله ) هذا العيب هو أنه : مهتم بالشأن العام . 
المحتفظين ببرائتهم حتى الأن لن يعتبروا هذه الصفه من العيوب بل من المزايا ، أما الذين ذاقوا هراوات الأمن المركزى و قضوا فتره خلف الجدران او ذهبوا مره إلى أحد مقرات أمن الدوله فانهم بالتأكيد سيعلموا مدى فداحة ما يمكن أن تؤدى به هذه الصفه (التى هى الإهتمام بالشأن العام ) بصاحبها . 
محمد احتجز في 2005 لأنه أراد أن يشارك في إنتخابات مجلس الشعب بصفته مواطنا مصريا له الحق في أن يختار من يريد نائبا له عن دائرته ، لكن عاقبه هذه الفكرة كان الإحتجاز لمده يومين . 
وعاقبه إهتمامه بقضيه فلسطين ان تم إحتجازه أثناء محاولته الذهاب إلى أحد الفعاليات في القاهرة لمناصرة فلسطين ، و لأنه لا يقبل أن يحاصر شعب عربي مسلم فإن شارك في قافلتى فك الحصار عن غزة فكان عاقبه ذلك أن يكون خلف الجدران حتى الآن  دون تهمة و بعد أن أفرجت عنه النيابة . 
لم يرتكب جرما ولا خطيئه . 
جريمة محمد انه إهتم بالشأن العام .!


***********************************
يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين 
منحدرين في نهاية المساء 
في شارع الاسكندر الأكبر : 
لا تخجلوا ..و لترفعوا عيونكم إليّ 
لأنّكم معلقون جانبي .. على مشانق القيصر 
فلترفعوا عيونكم إليّ 
لربّما .. إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ 
يبتسم الفناء داخلي .. لأنّكم رفعتم رأسكم ..
 مرّة

*********************************

محمد عادل جريمته أفدح 
لأنه ما ترك تضامنا مع احد من المعتقلين و لا مسيره تنادى بالإصلاح أو وقفه إحتجاجية ضد ما يحدث من تجويع لشعب غزة إلا و شارك فيها . 
وخلال 4 سنوات لم يفقد الأمل و لم تذهب الحماسه 
ظل رغم سنه الصغير في الصفوف الأولى رغم ما تعرض له من تضييق و إعتقالات سابقه .
محمد جريمته أفدح لأنه أمن أن حماس هى خط الدفاع الأول عن مصر 
و أن وجود الإسرائيلى على أرض غزة معناه وجوده في سيناء . 
و أن أمن مصر القومي يتحقق عندما يكون هناك في غزة من يردع الإسرائيليين عن التفكير في دخولها أو الإقتراب منها . 
محمد فهم ببساطة و بدون أن يكون في كليه سياسة و إقتصاد و دون أن يلتحق بوزارة الخارجية المصرية و دون أن يكون في الأمن القومى الحقيقة التى يعلمها أى من يفهم في طبيعه الأمن القومى لمصر . 
لكنه " عوقب " من اجل هذا الفهم بدل أن يكافئ . 


*****************************

هل محمد عادل و محمد خيرى بلا أخطاء ؟ 
بالطبع لا 
قد يخطأ كل منهم بسبب نقص الخبرة أو الحماسه الزائده أو التهور في بعض الأحيان لكن إذا اجدنا التعامل مع مثل هذه اخطاء فإننا في النهاية سوف نكسب في المستقبل نماذج قادرة على صنع أثر حقيقى في الحياه . 
إن العبره ليست بأن تخطأ بل في أن تستفيد من أخطائك ، و ان تجد من يعيينك على تصحيحها . العالم الآن تحكمه عقول شابة . 
أوباما في أوائل الخمسينات من العمر ،
أربكان في أوائل الخمسينات ،
 أحمدى نجاد 
القيادات الشابة التي استفادت من فترة شبابها هى التى تحكم العالم الآن . 
إن حكمة الكبر لن تأتى إلا بعد التعلم من التجارب الغير ناجحة في فترة الشباب . 
ليست دعوه إلى الخطأ و لكن دعوه لترك الجيل الجديد من الشباب يكتشف بنفسه و يجرب بنفسه لعله يأتى بما لا يستطيع به الكبار . 
ولازلت أذكر كلمة د/عبدالمنعم ابوالفتوح لنا _نحن الطلبة الجامعيين _ بأن ننطلق "بحماس " لنعمل و نتحرك ،و أن لا نخاف من الخطأ فإنتم لن تتعلموا إلا من أخطائكم . 

**********************************
قلت له : 
و امامك 3 دول يمكنك أن تهاجر لهم بسهوله و طريقتك للهجرة معروفه : كندا و استراليا و المانيا ، و سوف تجد فيهم ما تريد : العلم و المال . 
قال لى : مفيش إلا 3 دول فقط ؟ 
قلت له : هناك الكثير ............لكنه كله بتمنه و بصعوبته ، التلات دول هما أسهل دول ممكن تهاجر ليهم . 
: جميل ، و أنت لما عارف كل المعلومات دى ، مهاجرتش ليه ؟
: مش قادر أتخيل نفسي بره مصر ، حاسس إنى مش هقدر أعيش . 
: يا فقرى ، يعنى إنت عارف تعيش هنا في مصر ! 
ودار الحوار دورته ........
عن العلم 
و المال 
و الوظيفه 
والزواج 
وبعد أن اغلقت كل الطرق في وجهى وجدتنى قائلا : 
كده العيشة لا يمكن تنفع بالطريقه دى ........مش عارف أعمل إيه 



*************************

قالولى بتحب مصر 
قلت مش عارف 
ما يجيش في بالي هرم ما يجيش في بالي نيل
ما يجيش في بالي غيطان خضرا وشمس أصيل
ولا جزوع فلاحين لو يعدلوها تميل
حكم الليالي ياخدهم في الحصاد محاصيل
ويلبّسوهم فراعنة ساعة التمثيل
وساعة الجد فيه سخرة وإسماعيل
ما يجيش في بالي عرابي ونظرته في الخيل
وسعد باشا وفريد وبقيّة التماثيل
ولا ام كلثوم في خِمسانها ولا المنديل
الصبح في التاكسي صوتها مبوظُّه التسجيل
ما يجيش في بالي العبور وسفارة اسرائيل
ولا الحضارة اللي واجعة دماغنا جيل ورا جيل
قالولي بتحب مصر أخدني صمت طويل
وجت في بالي ابتسامة وانتهت
بعويل

**********************************
الذين أحبهم بصدق ذهبوا جميعا إلى السجن إلا قليلا 
الذين أحبهم بصدق أشتاق إليهم 
فأبحث عنهم 
فاجدهم خلف السجون 
الذين أحبهم بصدق 
يتعذبون من أجل أنهم مازال لديهم القدرة على الأمل 
فمالعمل ؟!!



الاثنين، نوفمبر ٢٤، ٢٠٠٨

الخميس، سبتمبر ٢٥، ٢٠٠٨

زيتون الشوارع

بقليل من الجرأة، يمكن القول إنها واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً ممن رأيت في حياتي.. ولا أقول ذلك لأنني سلوى..

تلك هي الست زينب.

تأخذك بساطتها، قامتها، لهجتها المُطعَّمة بلهجة أهل فلسطين، يأخذك بريق عينيها، وثقتها في شرعية سؤالها الصعب، وهو يحمل عذاب الإجابة، لا الإجابة نفسها. 

: أحياناً أتساءل، أكان يمكن أن أكون أقل غربة هناك بين أهلي؟ أحياناً أتساءل، ما الذي فقدته هناك في فلسطين لأواصل الحياة هنا لاجئةً، على بعد ساعات من وطني وأهلي؟ أحياناً أقول إن بإمكاني العودة إليهم، إلى ذكريات طفولتي، أسترجعها، وأعيش ما لم أعشه منها؛ لكن شيئاً ما أحس أنه انتُزع مني هناك في فلسطين، هل اسميه حياتي؟ هل أقول خيار روحي في أن أكون الإنسان الذي أريد، وكما تشتهي كلُّ خليَّة فيه؟ 

..أنا زينب، أنظر إلى نفسي الآن، ولا يخطر ببالي للحظة أنني أخطأت الاتجاه، حتى وأنا أنظر إلى هؤلاء الذين حولي وهم يرسمون صورتي، كما لو انهم يرسمون النهايات.. 

.. كلما أصبحتَ جزءاً من فكرتكَ، قالوا إنكَ موشك على الجنون، أما حين تصبحها فإنكَ الجنون نفسه! أليس كذلك؟ كأن هناك مسافة أمان لا بد منها بينك وبين نفسك، إذا تجاوزتها ستخسر كلَّ شيء. 

.. كنت أحشر أمتعتي في حقيبة صغيرة، أبكي وأضحك في الوقت نفسه، لكني، حتى الآن، لا أستطيع إدراك السبب الحقيقي لذلك البكاء، ولا لذلك الضحك. 

وحين قلتُ لعلاء الدين: لا بد لي من أن آخذ الكتب. 

قال: في هذه لا أستطيع أن أقول لا. 

دخل خلْفي، وحين بدأتُ بإنـزالها من على الرفّ، ضحك، وقال لي : هذا الكتاب موجود لدينا في البلد، وهذا، وهذا. 

لم أصدّق أن مكتبتين، واحدة هنا في (السبع بحرات) والثانية في (عكا) تعيشان حالة التوأمة هذه. 

: أنتَ تمزح! قلت له.

: لا، لا أمزح والله. 

كانت الحقيقة بسيطة، لكنها جميلة، وهي أن هذه الكتب صادرة ضمن سلاسل شائعة لا أكثر، لكنني اعتبرتُ تلك الحادثة فأل خير. 

***

تحرك الجمرُ في قلبِ أهل البلد: لقد تأخر علاء الدين، هل يكون قد حدث له مكروه لا سمح الله، هل أمسكوه في الطريق؟ هل نرسل أحداً للبحث عنه؟ 

مصادر السلاح معروفة لهم، والحاج عبد الحميد، صديق قديم للثورة، حـارب معهم كثيراً وهم يرجونه: يا حاج استرح أنت، عمركَ لا يساعدك. 

ويُحرجهم: اعترفوا.. أنتم زهقتم مني، أصبحتُ ثقيلاً عليكم! 

: لا والله.. اذهب إلى وطنك وأحضر أسرتك وتعال، ثم ادخل البلد من الجهة التي تريد، واختر البيتَ الذي يعجبك. 

: اسمعوا، لم يزل فيَّ بعض القوة، ومن العيب إهدارها في مكان آخر، أو مهمة أخرى أقل نُبلاً من هذه المهمة. 

لكنه اعترف أخيراً أنه كبر، حين لم يستطع الانسحاب من إحدى المعارك الصغيرة، مما أدّى إلى بقاء عدد من المقاتلين الشباب معه. 

: انسحبوا أنتم، أنا سأبقى. 

: لن يكون. 

كانت الأسلحة الإنجليزية تتدفق إلى أيدي الصهاينة دون توقف، وبدا واضحاً أن الحالة كلها تسير في اتجاه غير ذلك الذي ظلّت تسير فيه إلى أمد طويل. المعارك أكثر شراسة، وحتى الصغيرة منها. نهاراً كاملاً حوصروا، رأوا الموت خلاله يذرع التلال، ويُحْكِمُ ظلامَه عليهم، وظلوا يقاتلون، وهم يرون أن كل رصاصة يطلقونها، جزء من روحهم، وخطوة للموت باتجاههم في زمن الرصاص القليل ذاك. 

***

: ستكون مركز حصولنا على السلاح في الشّام، قالوا له. 

***

: أحببته منذ رأيته، خرجتُ لأفتح الباب، وانفتحتْ أبواب قلبي كلها ذلك النهار. 

: قولي للوالد: جاي، والنخلة جايّة معاه!!

: مين؟

: النخلة!

ولم يكن ثمة نخل معه، لا أمامه، ولا خلْفه، ولا على جانبيه. 

:لم أفهم! 

: كما قلتِ لكِ، قولي للحاج: جاي، والنخلة جايِّه معاه. 

قلت: لعله النخلة نفسها، كان طويلاً ووسيماً، ببدلته السوداء وطربوشه الأحمر. 

: مين يا زينب؟

جاءني صوت أبي عبر الحوش، وكنتُ أمام الباب حائرة. 

: مين ؟ أعاد السؤال. 

قلت مرتبكة: جاي، والنخلة جايّه معاه. 

: ادخليها، ادخليه بسرعة. قال لي بلهفة. 

فعرفت أي خطأ ارتكبته حين أبقيته هناك أمام الباب ينتظر. 

حدّق فيه أبي ، وهتف مبتهجاً كطفل: علاء الدين؟! الله.. لقد أصبحت رجلاً. 

***

: أين الست زينب؟

صرخت سلوى في وجه عبد الرحمن.

: أينها؟!

ودقّت على المخطوط

: لم أرَ غير شبحها هنا، كلّنا تحولْنا إلى أشباح حين كتبتَ عنا، وقد كنا بشراً، أتفهم ما معنى كلمة بشر؟ من لحم ودم وروح. 

***

لقد كانت ليالينا طويلة، أنا والست زينب، بما يكفي لأن نستعيد حكاياتنا آلاف المرات. لم يكن لدينا في الحقيقة غير الليالي.

***

: قال لي أبي فيما بعد، إنه كان يحبُّ هذا الفتى حباً خاصاً، لأنه أذكى عفريت صغير شاهده في حياته، وقد استطاع بجرأة نادرة تهريب مسدّسين وقنبلة إلى السجناء الثوار في سجن (عكا) مكّنتهم من الهروب، بعد أن هددوا بها الحراس. هذا هو علاء الدين يا زينب. 

: وأحببته. قالتْ لي. أحببته أكثر، ولم تكن فلسطين قد تحولتْ إلى قطعة لحم يلوكها كل من له أسنان، كما يحدث اليوم. كانت جزءاً أصيلاً من شرف الناس. تعرفين يا سلوى! لقد أُعطيتْ الإنسانية مدة كافية لتثبت أن لها ضميراً في المسألة الفلسطينية، لكنها للأسف أثبتت، حتى اليوم، أنها بلا ضمير. بالنسبة لي، بقيتُ أتساءل: هل أحببته فعلاً، أم أنني كنت ألبي دعوة غامضة من ذلك البلد الذي جاء منه؟ أيامها، لم يكن الإنسان يفكر مرتين، إذا ما سمع النداء: إخوانكم في الجبل (الفلاني) محاصرون، ويطلبون نجدة، كان الإنسان يُلقي ما في يده ويمضي دون أن يلتفت وراءه، كان نداء الحرية أكبر من نداء الخبز، وأجمل من الأولاد والزوجة والوظيفة ودفء البيت. 

***

: هل بقي شيء يا علاء الدين تريد أن تأخذه معك؟

سأله أبي . 

: ارتبك. وكان طوال الوقت يتباطأ. 

: يمكن أن نحضر السلاح غداً، بعدَ غدٍ، أريد أن أرى مدينتكم أيضاً. 

ولم يكن يغادر بيتنا

: ترى مدينتنا وأنتَ بين أربعة حيطان! لقد تأخرتَ أكثر مما يجب، عليك أن تُجهّز نفسكَ للعودة غداً. 

:غداً!! ولكن، عمّي، لم أرها بعد. 

: اطمئن.. ستراها كثيراً هناك! 

ولم يبق له كلام يقوله. 

: يا زينب. 

: نعم أبي. 

: جهزي نفسك ستذهبين مع علاء الدين غداً، أما الليلة فسنكتبُ كتابكما. 

: أبي!!

وطرتُ فرحاً. 

: أنا بمقام والدكَ، وأستطيع أن أزوّجكَ أيضاً، وعلى كيفي!! قال لعلاء الدين

: عمّي!!

: العبْ غيرَها، هذه الحركات نعرفها حتى قبل أن تولدوا، أنسيتَ أنني كنتُ شاباً أيضاً. 

***

: بكيتُ حين ودَّعتُ أُمي، أبي ، وأُختيَّ؛ ولم أكن أعرف سبب البكاء، هل لأنني فرِحَة بذهابي معه، أم فرِحة لأنني سأرى فلسطين أخيراً، فلسطين التي لم أرها بعيدة في أيّ يوم من الأيام، لأقول بأنها ستبعدني عن أهلي. 

: أمي أسمتني علاء الدين، لأنها أحبّت حكاياته في ألف ليلة وليلة. قال لي في الطريق. 

***

: تناسوا قلقَهم كلَّه، تناسوا أنهم أرسلوه لإحضار السلاح، حين رأوني معه، والتَفَّتْ البلدُ حولي

:علاء الدين، ما الحكاية؟!

سألوه. 

: زوجتي، أشار إليّ. 

وعمَّ الوجوم. 

: زينب، ابنة الحاج عبد الحميد. أضاف.

:ابنة الحاج عبد الحميد!

.. لم أكن أُدرك مكانة أبي عندهم قبل ذلك، مئات الشفاه اندفعتْ تُقبِّلني دون توقف، غير مُصدِّقة؛ شفاه تهذي: ابنة الحاج عبد الحميد، يا هلا. 

لم أكن محبوبةً في حياتي كما كنتُ محبوبةً تلك اللحظة. حتى حب علاء الدين لم يكن يماثل ذلك الحب. كنتُ أعتقد أن لقائي به، أجمل لحظة في حياتي، لا.. كانت تلك أجمل لحظة في حياتي، إلى أن أطلَّ أيمن على الدنيا؛ حينها، التفتُّ خلفي، ورأيت زماني كلّه هناك، وهمستُ في أُذنه: الأمل فيك! أيمن الذي كدتُ أن أضيِّعَه في ليلة الموت تلك، حين عبرتُ البر بحثاً عن علاء الدين. 

***

وحيداً أطلَّ حصانه، وحزيناً، في ذلك الغروب. تردد كثيراً عند الباب، قبل أن يصهل، ويمزِّق ذلك المساء بحوافره، ويبكي. 

وعرفت: كان الكائن الوحيد الذي تجرأ على إيصال الخبر إليّ، وظلَّ يصهل، ويبكي، إلى أن وجدتني فوق ظهره. 

: إلى أين يا زينب؟! 

خيطانِ من الدمع فوق وجه الحصان، وآخران على وجه زينب. 

راح يعدو، ويعدو.. ولا شيء غير العتمة أمامه، لا شيء غير العتمة خلفه.. 

وفجأة توقف. 

: مَنْ هناك؟!

: سمعتُ الرجال يصرخون. ترجَّلْتُ عنه. 

: أنا زينب. 

: ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟

.. كانوا غاضبين. 

: أين علاء الدين؟

.. صمتوا. 

.. منذ ثلاثة أيام، كانت البلد تتابع معركة الجسر، مرة يستعيده رجال البلد، ومرة تحتله عصابات شتيرن. ولم يكن أحد الطرفين يريد تدميره، لأن لكل منهما مصلحته في أن يظل قائماً. 

ثلاثة أيام، ثم أصبح الجسر في المنتصف، لا بيد هؤلاء، ولا بيد أولئك، بعد أن اضطر رجال البلد للانسحاب، مُخَلّفين علاء الدين تحته. 

: سأحضره. 

: ماذا تقولين؟ إن أية حركة يمكن أن تصدر عنا في هذا الليل يسمعونها بسهولة في الطرف المقابل، لذا، فإن عيونهم عليه. انتظري حتى الصبح وسترين بعينيك؛ لو كان بإمكاننا أن نصل إليه لما تركناه هناك. 

.. لم ينسوا مرّة أنني ابنة الحاج عبد الحميد، ولذا حين كانوا يتحدثون معي، أحس بأنهم يتحدثون معه، لأن جزءاً منه فيّ. 

.. وغافلنا الحصان، انطلق إلى هناك، يعدو. 

وفجأة، فُتحتْ أبوابُ جهنَّم، وأضاء الرصاص التلال، انفجرت القذائف، وسطع وميضها الأسود الناري، وتراقص في العتمة ظلّ حصان. 

ورأيناه يعود. 

هل وصل؟ 

لم نعرف 

وكان أكثر هياجاً وهو يتجاوزنا ليختفي بعيداً خلفنا في الليل، ويعود ثانية قبل شروق الشمس مُنهكاً. 

***

تحت شمس حزينة، بين تلَّين من صخور محترقة، عارياً تحتَ فوهات البنادق، كان الجسر. 

تراجعتْ زينب بعيداً وراء التلّة، وهناك، صامتةً بقيتْ مع الحصان إلى أن جاء الليل ثانية. 

غافلَتْه، أحكمتْ رباطه في شجيرة عُلّيق، وتسللتْ وحيدة. 

تحسستِ الأرض طويلاً، باحثةً عن جسده في المكان، باحثةً عن وجهه، عن عينيه اللتين رآها بهما، عن يديه. 

وفجأة وجدتْهُ بين يديها، جثة لا أكثر. 

: كنتُ أريدُ أن أصرخ. لكنني لم أستطع، سيقتلونه ثانية، وكنت مذهولة، كأننا لم نعش زمن الشهادة من قبل. ورحتُ أجرُّهُ مبتعدة، حين فُتِحَتْ أبوابُ جهنَّم فوق رأسي. 

قلت: كان عليَّ أن أصرخ. وبدأتُ أصرخ، لا خوفاً، بل لأنني أريد أن أصرخ. وهدأ الرصاص فهدأتُ. وفوجئت بجسدي فوق جسده. أحميه من الرصاص، الرصاص الذي ظلَّ يدوّي في أُذني عمراً كاملاً. 

... ورحتُ أَجرُّه ثانية، إلى أن أوصلتُه، وضعناه فوق حصانه، وعدتُ به. كانت الشمس تشرق بعيداً ورائي، إلى درجة أنني خلتها لن تصلني أبداً، لن تتوسط السماء. وحين هبّوا لإنـزاله، لم أكن هناك. لكن شيئاً بي تنبه، وعاد من غيبوبته، فصرختُ، بكيتُ، كما لو أنه قُتِلَ ثانية. 

كانت إحدى يديه من الرسغ مبتورة.. وليستْ هناك. 

***

سندفنه. 

: صرختُ لا.. لن ندفنه قبل أن أحضر يده، لن أدفنه.

: اعقلي يا زينب. 

: لن أدفنه. 

وأغميَ عليَّ قربَهُ، وحين صحوتُ، وجدتُ يديَّ قابضتين على ذراعه. 

قالوا فيما بعد: إنهم كانوا يريدون دفنه، لكنهم لم يستطيعوا أن يُخلِّصوا ذراعه من بين أصابعي، دون أن تتكسر هذه الأصابع. 

موزَّعاً بين مكانين.. 

وزينبُ بينهما، ومعها حصانه. 

عادتْ مساءً للتلّة، حيث كان الرجال لا يزالون هناك، وخلفها، بعيداً، كانت تتبعها أمّه. 

قالوا: نحن سنأتي بيده من هناك. 

: إذا كان لا بدَّ لأحد من أن يموت من أجل يده، فهو أنا. 

في ذلك الوعر، وجدتْ زينبُ نفسَها تحبو ثانية، تزحف، بأصابع دامية وقدمين ممزقتين وقلب مكسور، إلى أن وصلتْ. تتحسس الأرض وتبكي. 

: ماذا لو أخذوها معهم ليثبتوا أنهم قتلوه؟ هذه ليست المرة الأولى التي يفعلونها. 

وصرختْ في داخلها: يجب أن تكون هنا. 

واندفعتْ تبحثْ محمومةً. 

: وأخيراً، عثرتْ أصابعي بها، أصابعي العمياء، ارتجفتُ، بكيتُ، وكان بودّي أن أصرخ، أن أموت هناك، وحاولتُ أن استعيدَ دفء يده، بعيداً عن هذه اليد الباردة، يده التي تعرفني، تعرف يدي، تعرف كتفيّ، شعري، يده الملوِّحة لي، الضاحكة، المنسابة، يده التي أعرفها. كان بودّي أن أصرخ: أينها، لكنني خفتُ أن يدفنوه دون هذه اليد التي لا تتذكرني. اليد التي تذكَّرتني، اليد المرتبكة التي راحتْ تلتجئ إليَّ وتختفي في صدري. كان يجب أن أجدها.. وإلا لكنتُ أمضيتُ العمرَ باحثةً عنها. 

: جبتيها؟!

: عمتي!!

وبكيتُ، ويدي تمتد إلى صدري لتخرجَها. 

وعدنا. 

امرأتان وحصان

وثلاثة قلوب مكسورة 

: اتركونا معه. 

قالت أُمّه وهي تحتضن رأسه بين ركبتيها. 

وكان حصانه هائجاً في الحوش. 

صرختْ زينب: ادخلوه. 

أطلّوا من الباب: مَنْ؟

: حصانه. 

: حصانه!!

وصرختْ أُمه: سمعتم.. أليس كذلك؟

ودخل حصانه، حصانه الذي تمدّدَ إلى جواره، مُلصقاً عنقه ووجهه بالأرض، هادئاً.. ويبكي. 

***

بيدين مرتجفتين، وعينين زائغتين بالدمع، راحتْ زينب تخيطُ يده.

: اعطيني الإبرة يا ابنتي. 

وأزاحتْ أُمه رأسَه، وضعتْه على ركبة زينب، وراحت يداها تعملان، يداها اللتان أحستْ بأنها تراهما لأول مرة، ذابلتين، كما لو أنهما لن تزرعا شجرة أبــــداً. 

يمتلئ وجهها بالدمع، تتوقف، تسمحه بطرف كمّها، وتواصل. 

ليلة كاملة.. 

وأطل الفجر.. 

طرقوا عليهم الباب، ودخلوا وجِلين..

: الآن يمكن أن تدفنوه. قالتْ زينب.

: هيا.. احملوه. قالت أمه. 

وساروا.. وسار حصانه خلف الجناز
جزء من رواية زيتون الشوارع