الجمعة، ديسمبر 14، 2007

دروس التغيير من أمريكا الاتينية


هذه اخر تدوينة كتبها أحمد محسن وقد كتبها ليلة إعتقاله وهو يعدكم بتغيير فى طريقة التفكير ........... إنتظروا المزيد


دروس التغيير من أمريكا الاتينية

" إن بداية الإصلاح و التغيير الحقيقى في مصر تبدأ من فصل الدين عن الدوله ،

في تبنى العلمانية في الحكم ،

في منع إستخدام المسيحية و الإسلام في السياسة و التلاعب بهم لدغدغه مشاعر الجماهير "

هذه الفكرة هى من أكثر الأفكار تداولا بين المثقفين في مصر ، و خاصه بين مثقفى اليسار ، من ضرورة الفصل بين الدين و السياسة عند المطالبة بأى إصلاح سياسى في مصر .

لكن مايحدث على أرض الواقع يقول إننا لو فعلنا ذلك فإننا بذلك نفقد الباقيه الباقيه من الشعب التى لازالت تطالب بالإصلاح ، فالناس في مص الآن _مع إنتشار موجات التدين في المجتمع_لاتتحرك إلا إذا شعرت أن ماتقوم به هو في النهاية عمل يؤدى إلى إكتساب الحسنات و جزء من تعاليم الإسلام .

لكن في تجارب أمريكا الاتينية في التغير و جدت ما يمكن أن يجعلنا نعيد قراءة كثير مما نكتبه و ننشره في مصر عن طريق اليساريين . فاليسار في أمركيا الاتينية إستطاع أن يخلق حاله جديده من التغيير بوسائل و أفكار جديده نحن في حاجة إلى تعلمها .

في هذه المرة نتحدث عن مدرسه التغيير في أمركيا الاتينية بعد مدرسه التغيير في أوربا الشرقية .

اليسار في أمريكا الاتينية

في عام 2003 نجح اليساريان نيستور كيرشنر ولولا دي سيلفا في الوصول للسلطة في كل من الأرجنتين والبرازيل بالترتيب.وفي الإنتخابات التالية في البرازيل أعيد إنتخاب دى سيلفا مرة أخرى . ومنذ ذلك الوقت أخذت أمريكا الاتينية طريق "اليسار" دون رجعه حتى الآن .

في ديسمبر 2005 وصل اليساري إيفو موراليس إلى السلطة في بوليفيا، كما تولت اليسارية ميشيل باشليت رئاسة تشيلي في يناير 2006؛ لتصبح أول امرأة تحكم في أمريكا اللاتينية.

هوجو شافيز و كاسترو وهم رؤساء فنزويلا و كوبا على التوالى من رموز اليسار على مستوى العالم . و شافيز أعيد إنتخابة في إنتخابات رئاسة الجمهورية الأخيره .

نحن هنا امام أكثر من 6 دول يتولى فيها اليسار مناصب رئيسية في الحكم ، سواء كحكومات او كرؤساء جمهورية .و إذا أضفنا إلى ذلك الزعامات اليسارية في دول أخرى مثل بيرو و أرجواى فإننا أصبحنا أمام ظاهرة واضحه للعيان . تتفق هذه الظاهرة _مبدئيا_ في ملمح مهم ، أن كل رؤساء الجمهوريات أو الحكومات اليسارية جاءت عبر صناديق الأقتراع و بتوافق شعبى ، ورغم أن بعضهم فاز بفارق ضئيل عن منافسية في الإنتخابات إلا أن هذا مؤشر على نزاهه الإنتخابات التى جاءت بهم و أنهم إستطاعوا دفع الناس إلى الخروج من منازلهم و التصويت لهم.

لكن يسار أمريكا الاتينية تميز بعدد من الخصائص :

الأولى : أنه نشا بعد نظم ديكتاتوية كانت تحكم أمريكا الاتيتيه سواء من خلال إنقلابات عسكرية أو بدعم مباشر من الولايات المتحده . ديكتاتوريات شديده القوة ،شديده البطش ،شديده العنف .و يمكن القول أنه في "الصورة الذهنية العالمية " كانت منطقه أمريكا الاتينينة هى المنطقه التى تحكم بالحديد و النار .

الثانية : أن هذه التيارات السياسية اليسارية نشأت في البدايه على هيئه نقابات عماليه و مجالس أحياء و روابط كانت تجمع فئات معينه من المجتمع متضرره من السياسات الحكوميه في هذه البلد أو تلك ، ثم ما تلبث هذه الإتحادات و النقابات أن تتعاون مع بعضها البعض . و يكفى هنا ذكر أن الرئيس البوليفى "إيفو موراليس" كان من أهم من قاد الإعتصامات العمالية التى إجتاحت البلاد في عام 2003 . و أن بدايته السياسيه بدأت كعضو نقابى نشط .

الثالثه: أن عمليات التغيير التى تمت في أمريكا الاتينيه كانت سلمية إلى أقصى حد ، و بدون أن تراق فيها قطرة دم واحده ،او يحدث بها أحداث عنف ، لكنها تختلف عن تجربة أوربا الشرقيه من حيث أنها كانت تتم من خلال الإنتخابات و بدون حدوث أى مشاكل في تسليم و تسلم السلطة على عكس التجارب في أوكرانيا و جورجيا .

الرابعه : أن عمليه التغيير لم تتم بدعم من أى طرف خارجى سواء كان هذا الطرف الولايات المتحده او الدول الأوربية أو روسيا ، فلم تقم أى من هذه الدول بتقديم دعم مباشر لأى من الحركات اليسارية التى إعتلت السلطة ، و هذا شئ كان من المستحيل حدوثه قبل 20 عام من الآن ، حيث كانت الولايات المتحده تتعتبر أمريكا الاتينية هى "حديقة الولايات المتحده الخلفية " و التى لا يمكن للشيوعين_أو أى إتجاه يسارى _ أن يدخلها . لذلك فإن تاريخ الولايات المتحده ملئ بالأحداث التى تدخلت فيها الولايات المتحده لدعم ديكتاتور خوفا من وصول الشيوعيين إلى الحكم ، أو بدعم إنقلابات عسكرية من أجل نفس هذا الغرض .

الخامسة :ان الفساد السياسى و الإقتصادى و غياب العداله الإجتماعيه على هيئة إنتشار الفقر الشديدو البطاله على الرغم من وفرة الموار الطبيعية من غاز و بترول كانت السبب الرئيسى الذى دفع عجلة التغيير في أمريكا الاتينية ، و انه_ على خلاف مايعتقد الكثيرون _لم تكن هناك في البداية أى بوادر لعداء مع أمريكا بسبب الأيدولوجيا ، أو أن تكون هذه الحركات كرد فعل على ماتقوم به الولايات المتحده .على العكس تمام ، كانت التحديات الداخلية هى المسبب الرئيسي لبروز هذه التيارت اليساريه دون أن يظهر أى دور للتجديات الخارحية ، فالمشكلة التى كانت تؤرق سكان البلاد في أمريكا الاتينية : لماذا نحن أغنياء تحت الأرض (بالبترول و الغاز الطبيعى ) فقراء فوق الأرض ؟!!

لكن أهم ما تميز به يسار أمريكا الاتينية هو فكرة "لاهوت التحرير " .

لاهوت التحرير

ربما تكون أول مرة تسمع بها بهذه الجمله ، لكنك ستعلم مدى أهميتها إذا قرأت عنها الكثير .

نشات فكرة لاهوت التحرير على يد الراهب جوستافو جوتيريز الذى يعتبر الأب الروحى للاهوت التحرير ، حيث دعا الراهب إلى إعاده تعريف "الخلاص" في المسيحية بالقول إن الخلاص الحقيقى هو يوم يتم التخلص من سيطرة الأغنياء على الفقراء . و أن الخلاص لا يشمل فقط الخلاص من الخطايا و غفران الذنوب بل إنه يتسع ليشمل الخلاص السياسى و الخلاص الإقتصادى و الخلاص الإجتماعى ........... إهتم لاهوت التحرير منذ البداية بالفقراء ووقف بجانبهم طوال الوقت . و إعاده قراءه النصوص المسيحية قراءه جديده تقف بجانب الفققراء و المهمشين والمظلومين وتعادى القهر و الظلم .

أنا هنا لا أتحدث بالتفصيل عن لاهوت التحرير بقدر مااتحدث عن دلالاته ، لكن قبل ذلك أحب أن أنقل لك بعد من اهم نصوص المنظرين للهوت التحرير لعلها تعطيك فكرة جيده عن هذا الاهوت الجديد :

*"فالإيمان الذي يكتفي بحضور قدّاس الأحد و يرضى بالظلم طوال الأسبوع لا يقبله الله"(أوسكار روميرو)

* يقول جوتيريز في كتابه "لاهوت التحرير:"

"إن لاهوت التحرير هو على وعي بالمحاذير المحيطة بإقحام الإنجيل في السياسة. و هو يرى أنه عندما يقال أن الكنيسة "تسيّس" الناس حين تبشرهم بالإنجيل فإنه يعترف بوجود ذلك البعد في الإنجيل كله دون أن يحوّله إلى مجرد سياسة لا بل يعترف أن رسالة "الحب الكلي" النابعة من الإنجيل تمتلك بُعداً سياسياً حقيقياً. و هذا البعد قائم من الواقع! ذلك أن بشارة الكنيسة تتوجه إلى أناس يعيشون في مجتمع معين و يخضهون لشبكة من العلاقات الاجتماعية و يرتبطون بظروف سياسية لاإنسانية أحياناً"

* "إن تكوين لاهوت التحرير لا يبدأ إلا في اللحظة التي تشرع فيها جماعة

دينية ما، في مكان ما، في المشاركة في الكفاح الذي يخوضه شعب

هذا المكان لتحقيق كامل إنسانيته"(ألويزيزس بييريز)

* "المسيح هو مسيح الفقراء ومسيح المضطهدين، ومسيح الحرية…".

* "الخطيئة الحقيقية هي الظلم وعدم العدالة في توزيع الثروات" أوسكار روميرو

ما اريد أن أناقشه هنا هو الدور الذى قام به رجال الدين المسيحيين الكاثوليكيين في المشاركة في عملية التغير في أمريكا الاتينية ، و إعاده قراءة الإنجيل قرأه جديده تساعد على عملية التغيير ،

فأولا: فإن رجال الدين المسيحيين الذين تبنوا فكرة لاهوت التحرير كانوا هم "المحضن " الحقيقى لكل الساخطين عن الظلم السياسى والإجتماعى والإقتصادى خلال فترة الديكتاتوريات الحاكمة في قمة قوتها ، فخلال فترة السبعينات أحتضن رجال الدين دعوات التغيير و تفاعلوا معها و حثوا الناس على الصبر عليها_إلى حين_بوازع دينى و إنتظارا للأجر من الله . إن تفاعل رجال الدين مع الظروف المحيطة درس لمن يعتبر .

ثانيا : أن فكرة لاهوت التحرير أثبتت أنه يمكن حتى للإنجيل الذى جاء أساسا بقيم روحية وأخلاقيه أن يعاد تفسيرها بطريقه سياسية و إجتماعيه من أجل حث الناس على التغيير و الإصلاح.

ثالثا : ان كثير من رجال الدين المسيحيين شاركوا بالفعل في حرب العصابات التى دارت بين المتمردين في امريكا الجنوبية و بين السلطات الديكتاتوية ، فكانوا في مقدمة الصفوف مضحين بأنفسهم ، بل إن بعضهم قتل بالفعل في هذه المعارك !

رابعا : ان رجال الدين لم يكتفوا بنشر فكرة لاهوت التحرير في دول أمريكا الاتينية فقط ، بل إنهم ساعدوا في إنتشار الفكرة إلى دول و مناطق أخرى ، فأصبح هناك "لاهوت التحرير الأفريقى " و "لاهوت التحرير الأسيوي" ......و غيرها ، و هكذا سعى رجال الدين منذ البداية إلى نشر الفكرة في كل مكان .

إن تفاعل رجال الدين بفكرة لاهوت التحرير مع اليساريين أدى إلى تفاعلات جديده بين كلا الطرفين ، هذه التفاعلات أخذت بالنمو بصورة طبيعية عبر السنيين ،و أثر كل طرف في الآخر .

فماذا كانت نتيجة ذلك ؟

أن أصبح البحث عن العداله الإجتماعيه و مساعده الفقراء و مواجهه الظلم جزء من التراث الدينى للشعوب في أمريكاالاتينية و أصبح الإشتغال بالسياسة "اليسارية " هو نوع من الأعمال العبادية التى يتقرب بها الفرد إلى الله !!

لقد تم تكوين جيل جديد من الشعوب يتعاطى مع السياسة و الدين بروح جديده و بطريقه مختلفه ساعدت في النهاية على إحداث التغيير المطلوب . لقد إستفاد رجال الدين من اليسار بقدر ماستفاد اليسار من رجال الدين !

هنا في العالم العربى ....

وخاصة في مصر ......

هل نحن بحاجة إلى لاهوت التحرير ؟

أبدا

إن الإسلام بنصوصه التى تحمل توجيهات سياسية و إقتصادية و إجتماعيه واضحة ليس بحاجة إلى "لاهوت جديد" بقدر ماهو بحاجه إلى رجال يقوموا بحمل هذا الدين إلى الناس ليتفاعل معهم و يخرج منهم أفضل مالديهم ، بحاجة إلى علماء أصحاب ثقافه عاليه و أفق واسع للإستفاده من الثراث الحضارى و الفقهى الكبيرر للإسلام من أجل إيجاد حلول للمشاكل التى نمر بها، سواء كانت مشاكل عقائدية او أخلاقية او كانت مشاكل إقتصادية و إجتماعية . و في حاجة قبل هذا وذاك إلى أن نؤمن باهمية الإسلام في أى عملية إصلاح سياسى و إجتماعى سوف تمر بها مصر الآن أو في المستقبل .

لماذا يقبل الكثيرون بفكرة "لاهوت التحرير" التى تمت في أمريكا الاتينية ، لكنهم في نفس الوقت لديهم رفض قاطع لمحاوله جعل الإسلام الأساس الذى يبدأ من الإصلاح و التغيير في مصر ؟

لقد رأينا ماذا يمكن أن يصنع الإستفاده الجيده من الدين من أجل إصلاح ما أفسدت السياسه في أمريكا الاتينية ، فلماذ نصر في النهاية على أن نجعل الإسلام في مصر في وادى و الإصلاح في وادى أخر ؟!!!


هناك تعليقان (2):

AbdElRaHmaN Ayyash يقول...

ياااااااااااااربي
كان يحدثني عنها قبل اعتقاله بساعات
فرج الله عنك استاذي الدكتور
يااارب انتقم ممن اذانا في احمد
يااارب انتقم منهم و ارنا فيهم يوما اسودا

AbdElRaHmaN Ayyash يقول...

طبعا التدوينة رائعة و كما عهدته دوما
سياسي من الدرجة الاولى
مفكر و محلل من الدرجة الاولى
ان شاء الله لن يطول انتظارنا لعودته