‏إظهار الرسائل ذات التسميات حاشية الحياة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حاشية الحياة. إظهار كافة الرسائل

السبت، يونيو ١٩، ٢٠١٠

خارج نطاق الخدمة


قبل أن أبدأ:

إمام باب تجارة  بجامعه القاهرة ، كان يقف 

و أمام احد محلات تصوير الأوراق كان ينتظر صديقه.

بعد المغرب بقليل ، و الطلبة إعدادهم بالمئات ، و البعض  يبحث عن غايته ،و الأخر في انتظار طلب من محل طعام ، أو في انتظار تصوير أوراق ، أو جالس على قهوة يمضى وقته ، أو يقف لفرجة على المارة ........كوكتيل من البشر صغير السن . 

و عامل القمامة الكبير في السن يتقدم بزيه المميز بهدوء من محل مخبوزات ليطلب شراء "قرصه "،

يترك العربية التي يدفعها إمامه على جانب الطريق متأكدا من أن لا أحد سيفكر بسرقتها و الفرار بها .ويدخل المحل واثق الخطى .

وبعد ان ينتهى من الشراء

يخرج من المحل 

و يقسم "القرصة " نصفين

يضع النصف الأول في جيبه

و الأخر يذهب به إلى رجل فقير يستند على حائط ، حالته سيئة جدا و ثيابه رثه هو يطلب منه  أن يدعو له ، فيرد عليه : ربنا يزيدك من نعيمه و  يحبب فيك خلقه و ميحوجكش لحد أبدا !!

انتهى 

الموقف الأول :

كنت في بداية عملي امضي أول شهرين في قسم الجراحة و الطوارئ أثناء فترة الإمتياز ، و في يوم شديد الحرارة جاء إلى المستشفى التي اعمل بها ( ولا داعي لذكر اسمها ) مصاب صغير السن ( 5 أو 6 سنوات ) صدمته سيارة طائشة على الطريق ثم فرت هاربة ، و يبدو من شكله أنه أحد أطفال الشوارع ( وهكذا اخبرنا من احضروه إلى المستشفى ) ، ولا أحد يعلم اسمه و لا مكان سكنه و محل إقامته. و من احضروه اخبرونا أنه أحد أطفال الشوارع ولا احد يعلم عنه شئ ،  وكان هذا الطفل المصاب في حالة شديدة السوء ......حاول معه النائب المتواجد في قسم الجراحة أن يقدم له بعض الإسعافات الأولية لكنه وجد أن حالته شديدة السوء ، و في حاجة إلى تواجد الأخصائي ، لكن الأخصائي لم يكن متواجد في المستشفى ، كان في عيادته الخاصة يحاول أن يحسن من مستواه المعيشي !

فكان قرار الطبيب النائب المتواجد في القسم أن يترك الطفل كما هو إلى أن يموت في سلام To Die In Peace )!)؟؟

أغرب قرار يمكن أن يتخذه طبيب !

ولأنى لا أملك من العلم و لا من القدرة على تقديم أى مساعده لهذا المريض فقد  حاولت مناقشه الطبيب في هذا القرار ، فكانت الإجابة ( الشديدة البساطة – و الصادمة ) ان هذا المريض في حاجة إلى عناية و مستوى طبي معين غير موجود في المحافظة التي اسكن فيها ، و بالتالي فإنه حتى على فرض أن الأخصائي موجود فإنه لا يملك من الخبرة و العلم ما يعينه على التعامل مع مثل هذه الحالات ، و حتى لو كان يملك الخبرة و العلم فإن المستشفى لا تملك الإمكانيات و الأدوات التي تساعد هذا المريض ، فأما أن يذهب هذا المريض إلى مستشفى خاص لديها امكانيات مادية و بشريه لعلاجه لكنه بالتأكيد لن يتحمل المقابل المادى لها أو  أن ندعه يموت بسلام !  

هذا الموقف يمكن أن يحدث لأي شخص منا _عافنا الله و إياكم _ فهل لأننا فقدنا هويتنا وأسمائنا نفقد حقنا في الحياة " الذي هو أهم حق لك " ، و لماذا لا يكون هناك نظام فعال و قوى من الإدارة و من المجتمع نفسه يكون قادرا على اكتشاف الأخطاء و تقديم الحلول لها .ودافعا نحو سد الفجوة بين ما هو موجود و بين ما هو مأمول من خلال ما هو متاح ! 

 أم أن هذه الفئة خارج نطاق الخدمة ؟!

الموقف الثاني :

وكنت وقتها في المنيا ( محافظة في شمال الصعيد ) وجائنى هاتف من صديق لي هناك أن معه مبلغ من المال و أنه سوف يذهب إلى أحد من يعرفهم في مركز ملوي بالمنيا لتوزيعه على الفقراء ، فهل أنت راغب في المشاركة ؟

كانت أجابتى : بالإيجاب ، و هكذا جهزت نفسي لقضاء ليله في توزيع المال على الفقراء ، لكنى في هذه الليلة مررت بتجربة لم استطع أن أنساها حتى الآن ، لقد كان و ضع العائلات التى مررنا عليها في غاية السوء ، لدرجة أنى لم استطع تخيل أن هؤلاء أحياء بالفعل !

في بعض الأحيان كنت اعتقد أننا في حلم !

بيت كامل من أب و أم و أبناء يعيشون في غرفه لا توجد بها كهرباء تماما !

وعندما مررنا عليها قال لي صديق : توقف !

قلت : لماذا ؟

قال : هنا يسكن اناس

قلت له : أين ؟

فخرجوا علينا من داخل ظلام الغرفة إلى النور البسيط الذي يضئ الشارع !

لولا أن صديقي أخبرني أن هنا بشر ما كنت تخيلت ذلك .

لم أكن أراهم

وأظن أن المجتمع أيضا لا يراهم !!

صدمتي كانت اننى عندما مررت عليهم لم أكن أراهم حقيقا ، لم أكن أتخيل انه يمكن أن يكون خلف ظلام هذه الغرفة عائله كاملة تعيش هنا . و تخرج علينا من داخل هذا الظلام !

صدمتي كانت : أنى لم أكن أراهم

لم أكن أعلم بوجودهم

مررت عليهم دون أن أراهم  رغم أنهم كانوا امامى .

هم امامى و إمام المجتمع لكن لا أحد يراهم .

هم خارج نطاق الخدمة 

وقتها علمت أن رؤيتنا للحياة ناقصة تماما ، إن جزء كبير من صورة الحياة لا نراها و لا نعلم بوجودها .




قبل أن أنتهى : 
" إنما تنصرون و ترزقون بضعفائكم " حديث شريف 

الاثنين، مايو ١٧، ٢٠١٠

who am i ?


 

أنا انتمى لعده دوائر و ليست دائرة واحده بالتأكيد !

فانا انتمى إلى اسرتى الصغيرة التي نشأت فيها و كبرت و التي جاهدت خلال تاريخها لأن تظل أسرة ميسورة الحال ، لا تؤثر فيها تغيرات الحياة تأثيرا كبيرا و أن تظل رغم ذلك محافظة على شخصيتها ودون أن تتنازل عن مبادئها تحت ظروف الحياة وظلت إلى فتره طويلة تتابع الشأن العام باهتمام ثم تحاول أن تشارك في تغييره إلى الأفضل ...لكنها في كل مرة كانت تصاب بخيبة أمل كبيرة !، و انتمى إلى عائلتي الكبيرة التي لها انتسب و بها افخر و التي احمل فوق كتفي تاريخها بدون ارادتى ، و انتمى إلى دائرة الحي الذي اسكن فيه في مركز قروي، لكن رغم ذلك يعيش بين إرجاء هذا الحي الذي أعيش فيه  الطبيب و المهندس و المدرس و العامل و التاجر، ليمثل شريحة  من الطبقة الوسطى التي جاهدت من خلال التعليم و التدريب للارتقاء بنفسها و بأولادها . و انتمى إلى المجال الطبي بما يحمله من هموم و مصاعب و تحديات ....وضغوط عمل شديدة ، قد تدفعك فيها الظروف إلى اتخاذ إجراءات غير سليمة ، أو غير كافيه من أجل المريض ، و ذلك لأن الظروف غير متاحة أو لآن النظام البيروقراطي يعوقك أو لانتشار الفساد في المكان الذي تعمل فيه .....لتنام ليلا و أنت حزين من نفسك و على مرضاك .

وانتمى إلى عالم عربي و اسلامى كبير يعيش مشكلات في التنمية و النمو، لأسباب داخلية ( من عدم وجود كفاءات و غياب التفكير العلمي و العمل الجماعي و عدم توافر إرادة حقيقية لنمو حقيقي )  أو بسبب أسباب خارجية ( من عدم وجود إطار دولي يشجع الدول النامية على النهوض و يقدم لها حلول حقيقة لمشاكلها بدلا من أن يكون هو الصانع لهذه المشاكل التي تعوق نموه ) .عالم عربي واسلامى ينظر إلى الخلف أكثر من نظرة إلى الأمام ، و يتحدث عن الماضي بفخر أكثر بكثير من  العمل من أجل تغير واقعه المخزى ، يفتخر بتاريخه و لا يخجل من حاضره ،عالم فيه مليار و نصف مسلم ( و هي ثروة  بشرية كبيرة ) و فيه كل الموارد الطبيعية المتاحة على وجه الأرض ، و لدية المال الكثير ، ورغم ذلك فإنه للعجب: أفقر شعوب الأرض !!.

ورضى بدور الساخط على الغرب الكافر المنحل ، دون أن يحاول محاوله جادة لتقديم الشرق المؤمن الحضاري .

يربطه ببعض التاريخ و الجغرافيا و الثقافة و الدين لكنه رغم ذلك في محاولات دائمة للانفصال و التفكك ،رغم أن العالم كله في طريقه  إلى الإتحاد .

وانتمى إلى عالم كبير ، أثرت فيه سحابة بركانه في ايسلندا على حياه زملائي الأطباء في مستشفى العجوزة رغما عنهم و رغما عنى ، و أثرت فيه الأزمة الاقتصادية العالمية على سعر ورق الطباعة لدينا في مصر فأثر ذلك على ميزانيتي لطباعه الكتب !! وهو عالم يجمعنا فيه مصير مشترك و عمل مشترك رغما عنا جميعا ، فدخان المصانع في أوربا و أمريكا التي تدر عليهم الدخل و المال هي التي تسبب الاحتباس الحراري لكل دول العالم و تجعل الفقراء تحت الشمس الحارقة طول النهار ، و بدون اى وسيله تعينهم على هذا الارتفاع المخيف في درجة الحرارة ، هذا العالم الذي يتحمل فيه فقراء العالم كله الأضرار الناتجه عن الاحتباس الحراري من اجل مال و رفاهية العالم المتقدم !!

لكنى أجدني في نهاية الأمر :انتمى إلى مصر

التي فيها اسرتى الصغيرة و عائلتي الكبيرة و ظروف عملي و التي هي جزء من العالم العربي و الإسلامي ، تتأثر به و تؤثر فيه .

فهي التي تجمع كل هذه الدوائر .

وإذا صلح حالها صلحت( بالضرورة و كنتيجة) باقى هذه الدوائر .

لكنى حزين على دورها وتفاعلها مع ما يحيط بها .

وكلما قرأت عن تجارب أخرى في التنمية ( كتجربة ماليزيا – و تجربة تركيا _ أو حتى الدول النفطية الصغير مثل دبي و قطر ) أجدني حزين على مكانتها ووضعها ، و أنها تفقد الكثير من " قوتها الناعمة " بسبب مباريات الكرة !

فهل أنا متعدد الانتماء أم إنه انتماء واحد في صور مختلفة ؟

الجمعة، سبتمبر ٢٥، ٢٠٠٩

عندما تمرض الآلهه




هكذا كان عنوان مقال ابراهيم عيسى الذى قدم بسببه إلى المحاكمة اثناء أزمة مرض الرئيس . وكان قرار المحكمة وقتها : السجن !

لكن مصر بلد الألهه !

منذ عهد فرعون الأول وحتى الآن

فالألهه تبدأ بالرئيس ولا تنتهى عنده.

فكل صاحب سلطان ومنصب وجاه في مصر يتم التعامل معه على أنه إلهه .

لكن هذه لألهه تمرض

لأنها في حقيقة الأمر ليست ألهه ، بل بشر عاديين تماما ، أرادوا أن يعيشوا في هيئة الألهه . لكن الله موجود " و الله غالب على أمره "، وفي أثناء المرض تظهر النفوس على طبيعتها الأولى بدون تجمل و لا تكبر ،تظهر على طبيعتها بدون مساحيق التجميل و بدون حراس السلطان وكلابه . وقتها تظهر الحقيقة الواضحة التى يتداولها المأثور الشعبى _الذى هو خلاصه حكمة الشعوب _ على ألسنه العوام بلهجة بسيطة لكنها توصل المعنى :

لا واحد إلا الواحد ،و لا دايم إلا الله !

وقتها فقط نعلم أن الله موجود .

وهذه التدوينه لسيت شماته في أحد ( حيث أنه لا شماته في المرض ولا في الموت ) ، لكنها نقل لواقع أعيشه يوميا قد يغيب عن الكثيرين ، وتأكيد لمعانى يجب أن تكون لدينا لكنها غابت وسط الزحام .

المشهد الأول :

" كسر في الفقرات العنقية ، و أى حركة الآن قد تؤدى إلى الشلل "

دخلت مكتب رئيس القسم ثالث أيام يوم العيد ، لأجد عدد كبير من ضباط الشرطة بالزى الرسمى ، كل واحد منهم قد استحوذ على كرسي من كراسي المكتب الكبير ، الذى يسع في المتوسط من 10 إلى 12 فرد ، و أضيفت له كراسي من الخارج فأصبح العدد كبيرا على المكتب ، الرتب تبدأ من نجمتين و سيف لكنها لا تقل كثيرا عنها . وكل الموجودين في المكتب يتم منادتهم ب ( باشا ) ، عدد القائمين على خدمتهم خارج المكتب لا يمكن معرفته من الزحام ، والقسم أمتلئ عن أخره بهم ، فلا مكان فيه لقدم .

ولم أكن لحسن الحظ مناوبا في هذا اليوم ، لكنى مررت لإلقاء السلام على زملائي ، وتهنئتهم بالعيد . لكن القدر أراد لى أن أكون شاهدا على مرض أحد الألهه .

مساعد وزير الداخليه لشؤن ( ........) أصيب في حادث ونقل على أثره لدينا إلى المستشفى . لكن اصابته كانت خطيره .

الأشعه العادية أظهرت كسر في الفقرات الظهرية ، و أراد أطباء العظام التأكد باشعه مقطعية على هذه الفقرات ، لكن سياسة القسم لا تسمح بعمل هذه الأشعه في أثناء فترة النبطشية ، لكن هذا يحدث مع البشر العاديين ، أما مع الألهه فالوضع مختلف !!

التليفونات ظهرت ، و أجريت الإتصالات بنائب مدير المستشفى ، الذى أمر الفنى و الطبيب بعمل الأشعه على الفور دون الإنتظار إلى الغد كما يحدث في الحالات الأخرى ! ( كان هذا هو الإتصال الأول )

ظهر التليفون مرة أخرى ، وطلب نائب مدير المستشفى من الطبيب أن يأمر الموظف بعدم أخد رسوم مقابل إجراء هذه الأشعه ( وهو إجراء يحدث مع كل المترددين على المستشفى ) ، لأن الضباط رفضوا دفع أى مقابل مادى مقابل هذه الأشعه ، وعندما أصر الموظف على ان يتم دفع مقابل مادى ( محاولا أن يظل محافظا على التعليمات التى قيلت له بأخد مقابل مادى من كل من يقوم بعمل هذا النوع من الأشعه ) ، ظهرت التليفونات للمرة الثانية ، وكان قرار نائب مدير المستشفى بعمل الأشعه مجانا ! ( كان هذا هو الإتصال الثانى )

أكدت الأشعه إصابة الضابط بالفعل ، لكن الضباط رفضوا نقله من على جهاز الأشعه المقطعية إلا بعد إحضار بعض الأدوات الطبية من مدينة أخرى تبعد مسافة 30 كيلو من المستشفى ، ثم يقوم أطباء العظام بتثبيت مكان الكسر ، ليتم بعد ذلك نقل الضابط إلى مستشفى أخر كبير ، هنا .....حاول طبيب الأشعه أن يظهر بعض الحسم ، فرفض مثل هذا الرأى الذى سيستغرق وقتا طويلا متعلا بان هناك ثلاث حالات حرجة في الإنتظار أمام القسم يجب إجراء الأشعه المقطعية لهم على الدماغ لمعرفه إن كان لديهم جلطة أم نزيف بالمخ ،و هنا_أيضا _ ظهرت التليفونات للمرة الثالثه ، مشتكية إلى نائب مدير المستشفى سوء معاملة طبيب الأشعه لهم ( وبالمناسبه : لم أكن أنا هذا الطبيب ، فأنا لم أكن مناوبا هذا اليوم لكنى كنت شاهدا على ما يحدث )، وسوء معاملة الفنى ( الذى ناله شئ من الزعيق و الصوت العالى بسبب ما أعتبره الضباط : سوء أدب لديه ، لأنه طالبهم بدفع رسوم مقابل إجراء الأشعه ، و لأنه طالبهم بإنزال الضابط من على جهاز الأشعه المقطعية لعمل الأشعه للمرضى المنتظرين بالخارج ) ، فكان قرار نائب مدير المستشفى : إبقاء الضابط على الجهاز إلى حين إحضار الأدوات المطلوبه ، ولينتظر المرضى أمام القسم إلى أن يرحل الضابط !) ....( وكان هذا هو الإتصال الثالث: و الأخير ) .

وخلال 3 ساعات كامله كان القسم الممتلئ عن أخره بضباط الشرطة أصحاب الرداء الأبيض ، وضباط الشرطة أصحاب الرداء الأسود ، و ضباط الشرطة أصحاب الزى الملكى ، والمخبرين و الجنود و العساكر ........،،كل هذا مصاحبا بأكواب من الشاي الساخن و المياع الغازية و الأحاديت الممتعه إلى حين أن يتم نقل الضابط .

وليذهب المرضى المنتظرين على باب القسم إلى الجحيم .

المشهد الثانى :

منتصف ليل الخميس

الهدوء يعم المستشفى تماما .

خاصه ونحن في منتصف الشتاء ، حيث البرد قارس بالخارج . و الكل في منزله .

ليدخل علينا مصاب محاط بعدد كبير من أصحاب البدل السوداء MEN IN BLACK ، المصاب كان شابا صغير السن ، وكل المحيطين به كذلك ، لكن على وجوههم كانت تبدو سمات الجدية و الحزم .

وبدأت الصورة تتضح ...

وكيل نيابة من عائله كبيرة ، أغلبها: وكلاء نيابة و مستشاريين ،أصيب في حادث سيارة مع زملائه وكلاء النيابة ، لكنه الوحيد فيهم التى كانت إصابته خطيرة ( سبحان الله )،الباقين كانت إصابتهم سطحية أما هو فإن الإصابه كانت خطيرة ( نزيف داخل البطن في بدايته ، لكنه بعد قليل سوف يزداد بالتأكيد ، و ما يجعلنا متأكدين من زيادته هو وجود إصابه مباشرة في الكبد سوف تؤدى بعد قليل إلى زياده النزيف ، وبعد ساعات قليله إلى موت المرض إذا لم يدخل فورا إلى غرفه العمليات لإصلاح هذه الإصابة )، هذه الأخبار السيئة لم تعجب المحيطين به ،

هم غير واثقيين من التشخيص

وغير راغبيين في إجراء أى عمليات ، ( المستشفى في حقيقة الأمر لا تروق لهم )

وراغبيين في نقله إلى مستشفى أخر كبير .

لكن الحديث كان واضحا من قبلنا :

لو تم نقله الآن فسوف يكون ذلك على مسؤليتكم الشخصية ، النزيف يزداد ، وهو في حاجة إلى جراحة عاجله ، وقد لا ينتظر إلى أن يتم نقله إلى مستشفى كبير .

وبدأت الإتصالات التليفونية ....

بعد ساعه ....

كان رئيس قسم الجراحة

ورئيس قسم التخدير

ورئيس قسم جراحات الأوعية الدموية

ومدرس مساعد الأشعه

وثلاث نواب أشعه

وثلاث نواب جراحة

ونائبى تخدير

ونائب جراحة أوعية دموية

ونائب مدير المستشفى ،

كلهم أمام المريض لفحصه مرة أخرى ومحاوله أيجاد أى وسيله إلى حين نقله إلى مستشفى كبير .

لكنه بعد ساعه كانت الأمور اسوأ مما ظنوا

كان حجم النزيف ينذر بكارثه

وخلال دقائق إذا لم يدخل المريض إلى غرفه العمليات فإن حياته بالتأكيد على المحك .

ولم يكن أمامهم خيار .

" إنها حقا إراده الله "

المشهد الثالث

والد استاذ أشعه كبير ، خر مغشيا عليه وسط منزله .

فحمل سريعا إلى المستشفى ، وحضر ابنه ( استاذ الأشعه الكبير المشهور و المعروف ) على عجل لإجراء الأشعه . الأشعه أظهرت نزيف بالمخ .

لكن تصرف أستاذ الأشعه بدت و كانه غير مصدق ، أراد أن يعيد الأشعه مرة أخرى للتأكيد ، لكنه شعر أنها فكرة حمقاء ، الصورة واضحة و لا تقبل التأويل . وكل المحيطين به مجمعون على نفس التشخيص .

لا مفر

هى : نزيف بالمخ .

سكت قليلا ...

وسكت كل المحيطين به احتراما له ،

طال الصمت قليلا

لأن الدموع التى كانت تسيل على الخد كانت تتكلم .

الثلاثاء، فبراير ٠٣، ٢٠٠٩

عندما نحزن ...!!


" المريض الذي يوقظك ليلا من أعز نومه لكي تقوم بإجراء الفحوصات عليه هو واحد من اثنين : 
شخص سوف تجعله يبكى 
أو شخص سوف تبكي عليه ! " 
من نصائح النواب بعضهم لبعض مع بداية العمل في المستشفيات 
* و النائب : هو الطبيب المقيم في المستشفى و الذي يظل يعمل 24 ساعة متصلة على الأقل في بداية نيابته و لمده 4 أيام على الأقل في الأسبوع *

********************

صور أفلام الأشعة المقطعية على الرأس تتابع في الظهور على شاشة الكمبيوتر ببطء ........واحده بعد الأخرى . 
و والد المريض يبدو امامى من خلف الحاجز الزجاجي الذي يفصلني أنا الجالس أمام شاشة الكمبيوتر عن المريض الراقد على جهاز الأشعة المقطعية و بجواره والده . 
بجواري يقف عامل القسم الذي هو مثال تقليدي عما يمكن أن يفعله الجهل و الفقر في أبناء مصر . أثار النعاس تبدو على وجهه مثلما تبدو على وجهي أيضا في ليله شديدة البرودة يوقظك فيها أحد المرضى ليخبرك أن ابنه قد أصطدم برأسه جسم صلب منذ يومين و أنه يشعر الآن بعد مرور 30 ساعة بصداع في رأسه ! 
و إذا حاولت أن تسأل السؤال التقليدي و المنطقي الوحيد في هذه الحالة_ و الذي لم أعد أسأله من طول التجربة و الخبرة _ عن السبب الذي منع الأب من إحضار الابن بعد الحادث لإجراء الأشعة عليه فسوف تجد إجابات تقليديه و"منطقية جدا " من قبل المريض عن ضيق ذات اليد و عن أنه ظن أن الحادثة قد مرت على خير و لم نرد أن نكبر الموضوع !

الأفلام تتابع في الظهور و النعاس يغطى على عيناي رويدا رويدا يحثني على إنهاء هذه العملية المملة في أسرع وقت لاستكمال الراحة قبل بدأ يوم جديد شاق و متعب .........وفي رأسي تدور أفكار من نوعيه " لو كان أصيب بشيء خطير ما كان قد جاءني سائرا على قدميه و بكامل وعيه " 

العامل الذي تبدو عليه أثار الفقر و الجهل هو صورة مكررة نقابلها كل يوم في حياتنا عن الرجل البسيط الذي يعيش في منزل بسيط هو و أمه وأبوه و زوجته و أولاده( وعددهم يتكون من رقمين بالتأكيد )، و هو يعيش على مرتب هزيل لكنه ينتظر الإحسان من كل المحيطين به حتى يستمر هو و أبوه و أمه و زوجته و أولاده على قيد الحياة ، و هو لا يعلم من أمور الدنيا غير المكان الذي يسكن فيه و المكان الذي يعمل فيه ومن يتعامل معهم في محيط السكن و العمل ، بالطبع هو لا يعلم أي شئ عن فلسطين و حماس و لم يشغله في يوم من الأيام لجنه السياسات ولا أسعار الحديد و الصلب .و بالتأكيد لم يهتف بشعار " يسقط يسقط حسنى مبارك " ولا دندن مع شيرين و هى تغنى " مشربتش من نيلها ....جربت تغنى لها " ...هذا العامل اسمع صوت صدره جيدا وهو يخبرني بان هذا العامل لدية "حساسية على الصدر " بصورة مزمنة ومنذ فترة طويلة .

كانت الصور تتابع في الظهور على شاشه الكمبيوتر مخبره أنه لا جديد تحت الشمس و أن الابن سليم معافى ، و كان قد تبقى 4 أو 5 صور أخرى لنعلن بكل ثقة سلامه الابن .
العامل و بكل تلقائية و بساطه في التفكير دخل على الابن و الأب في الغرفة و أنبائهم بكل بساطه أنها " الحمد الله سليمة ومفيش حاجة " 
الأب لم يتمالك نفسه من الفرح فخر ساجدا لله 
وكنت أنا من خلف الزجاج أرى الأب و هو يخر ساجدا و في نفس الوقت أرى الصورة تظهر امامى على شاشة الكمبيوتر تخبرني بنزيف كبير في الرأس في حاجة إلى تدخل جراحي سريع و عاجل !!
و مع وقوف الأب من السجود كانت الصورة التي تليها قد ظهرت تخبرني أيضا أن الحالة أسوأ بكثير مما أظن !!

صوت عبارات الحمد و الشكر من قبل الأب تصل إلى مسامعي من خلف الزجاج ، لكنه لكي يزداد ثقة جاء إلى مستفسرا منى و ليتأكد من صدق بشارة العامل : 
_ خير يا دكتور ؟


" لا تعطى المريض أو أقاربه أي عبارات تدفعهم إلى "الأمل الشديد " أو " اليأس الشديد " .......في الطب نحن نسير بمقادير الله ، ما نظنه غير قابل للعلاج قد يتحول في لحظات إلى داء سهل وبسيط ، و ما نظنه سهل و بسيط قد يتحول في لحظات إلى كارثة تودي بحياة المريض "

ــ خير يا أبويا ؟ 
ـ طمنى يا دكتور ، إلهي يطمن قلبك ، فيه حاجة ؟ 
ـ هو فيه حاجة بسيطة في المخ ممكن تحتاج عمليه ، لكن بسيطة إن شاء الله . 
ـ حاجه إيه ؟
ـ.................
ـ قول يا دكتور و متخبيش عليا 
ـ هو نزيف بسيط لكن إن شاء الله هيحتاج عملية سهله بعدها هيكون كويس .
الرجل أصفر وجهه 
و أنا كنت في قمة تأثري و أنا أرى الرجل يتحول أمامي من قمة حاله السرور و الفرح إلى قمة القلق . 

وبدا لي و قتها كيف يمكن للدنيا أن تنقلب عليك من السعادة إلى الشقاء لمجرد ظهور صورة على شاشه الكمبيوتر >


*************************

أثناء الأزمات نظهر على حقيقتنا ......."حقيقة من واقع الحياة "

*********************

دخلت الأم تحمل أبنها ذو 20 يوما على صدرها وهى تحتضنه بشده ، و خلفها زوجها و على وجهه علامات الحزن و من خلفهم جميعا أمرأه كبيرة في السن ترتدى الثوب الأسود المييز للسيدات في أرياف مصر المحروسة علمت فيما بعد أنها أم الزوج ،وبمعنى أخر........... حماتها . 
الطفل كان ساكنا تماما 
هادئا تماما 
مثل النيل .
أمامهم كان طبيب الامتياز يعطيني طلب إجراء أشعه مقطعية على رأس المريض لأن لديهم اعتقاد بان الطفل مصاب بنقص حاد في إمداد الدم إلى أنسجة المخ من جراء خطأ حدث أثناء عملية الولادة . 
دخل الطفل إلى الحجرة و بدأت الصور تظهر على شاشة الكمبيوتر معلنه صدق الحس الطبي للأطباء .
وقبل أن نخبر الأم بنتائج الأشعة كانت قد وقعت على الأرض و بدا أنها قد فقدت الوعي . و انشغل الجميع في أفاقتها . 
بينما كنت أنا و طبيب أخر مازلنا نتابع ظهور صور المريض و محاوله معرفه التشخيص الدقيق للحالة . 
طبيب الامتياز دخلنا علينا مستفسرا : فقلنا له لقد صدقت توقعاتكم !! 
والد الطفل كان قد سمع الحوار أو أنه على الأرجح استنتج ما دار من خلال العلامات التي بدت على وجوهنا . 
عندما سألته أمه عن الأخبار كان رد فعله هو رد الفعل الذي شاهدته بعد ذلك يتكرر كثيرا امامى من الرجال في مصر عندما يعلم أن قد أصبح عاجزا و غير قادر على القيام بأى شئ :
 
أسند وجهه إلى الحائط ، و مال برأسه إلى الأسفل ناظرا إلى الحائط و معطيا ظهره لكل المحيطين به ......وبدا كأنه سيبكى بكاء العاجز !!
هو الطفل الأول و الوحيد بعد سنيين من انتظاره . 
وإذا أضفنا إلى ذلك أنه مسيحي _بمعنى أنه لا يستطيع الزواج من أخرى من أجل إنجاب أطفال _ فإن أعمده بيت الحزن تكون قد اكتملت و لم يتبقى إلى التشطيبات الخارجية .
التي بدأت سريعا مع صوت المرأة العجوز و هي تندب و تولول على حفيدها ، وفي نفس الوقت تحاول إفاقة زوجه أبنها الراقدة أمامها : 
قومي يا بنتى عشان تشوفى المستقبل الإسود إللى مستنيك 
قومي عشان تبكى على أبنك 
قومي عشان تندبى معايا 

في لحظات معدودة شعرت أن السواد يغطى الجدران و المكان ، و كلمات المرأة العجوز زادت من هذا الشعور . 
حاولت تهدئة المرأة العجوز لكنه ثبت لي بالتجربة أن أي محاوله للتهدئة سوف تأتى بنتائج عكسية . 
طلبت الأمن لينهى هذا الموضوع ، بينما كان رفيقي في النبطشية يسألني : 
هنتعشى إيه النهارده ؟





الخميس، ديسمبر ١١، ٢٠٠٨

أحيا الناس جميعا


: إنت إتكتب لك عمر جديد يا ابويا 
: ربنا يخليك يا دكتور 
: إنت لو تعرف إللى حصل لك إمبارح هتفضل طول عمرك تقول :الحمد لله .....و متكفيش 
: كله بفضلك يا دكتور 
: كله بفضل ربنا ، قول الحمد لله 
هذا المريض كتبت له حياه اخرى من لا شئ على الإطلاق ، و عندما اتصور ان هذا المريض لو تغيرت الظروف لكان الآن في تابوت في إنتظار ان يصلى عليه صلاه الجنازة بعد صلاة الظهر ، و زوجته تواصل معزوفه "الصويت " الأخيره ، و ان أبنائها الصغار كل منهم سوف يظل يفكر لمده طويله _و ربما طوال العمر _ عن مصدر للرزق فإنى أرجع و أقول " فكأنما أحيا الناس جميعا " . 
نحن بالفعل لا نعرف قيمة ما نقول و ما نسمع إلا بعد أن نمر به فعلا و نكون جزأ منه ، و قتها يمكننا فقط ان نقول نفس الكلمات التى كنا نرددها من قبل و لكن "بطعم " مختلف . 
وقف هذا المريض الليله السابقة على باب العناية المركزة باديا عليه أثار إرهاق من تلك التى يمكن أن تشاهدها على وجه فلاح مصري بسيط قضى طول النهار في فلاحة الأرض و عاد ليلا في قمة التعب بعد كل هذا الجهد البدنى الذى بذله طوال اليوم . 
فلاح مصري بسيط مثله مثل أى فلاح مصري أخر 
فالكل سواء في الشكل 
و السمت 
و الجهل 
و المرض 
..........
.........
وطيبة القلب 
وترك الأمور تجرى كما أراد الله بدون إظهار أى محاوله لتغييرها . !
مشتكيا من ألم "بسيط " في صدره لكنه ليس بالمؤلم و لا بالمقعد عن الحركة . 
العمر في أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات .......هذا على الورق 
أما في الواقع فإن ملامح الستينات تبدوا بادية عليه بوضوح 
فلاح مصري أصيل أنهكته الأرض حتى قضت على صحته في عز شبابه .
لا يوجد أى تاريخ مرضى للعلاج من أى امراض لكننى أقسم من الآن اننا لو نظرنا إلى كبده فسوف نجد هذا المنظر المصرى الصميم " كبد صغير الحجم رغم كبر بطنه محاط ببركة من السوائل له حواف غير مستوية و له طحال طوله أعلى من أى طول مكتوب في الكتب الإفرنجية التى نذاكر منها " 
طبيب الإمتياز وقف حائرا : هل يرده من حيث جاء ام يقوم بعمل رسم القلب له ؟ 
لو كان يعانى من ذبح صدرية أو بدايات جلطة فإنه بالتاكيد سوف يعانى من ألم " شديد " في الصدر وليس مثل هذا الألم "البسيط " 
و لكنه لأنه طبيب امتياز لازال في مقتبل حياته فإنه قرر أن يطلب منه عمل رسم قلب للإطمئنان لا أكثر .
استئذن من النائب الموجود في هذا الوقت في العناية فأذن له . 
وما هى إلا ثوانى قليله و كان مدير المستشفى و مدير قسم الحالات الحرجة في زيارة مفاجئة إلى العناية بعد منتصف الليل من أجل الإطمئنان على إحدى المريضات .........بالطبع ليست مريضه عادية بل مريضه تم التوصيه عليها من طبيب كبير او مسؤل كبير في المحافظة و إلا فإن المكان الطبيعى لمدير المستشفى الآن هو عيادته الخاصه او سريره الخاص !! 
وعمت الفوضى العناية .........
تجمع الأخصائى و النواب و اطباء الإمتياز حول مدير المستشفى ، الكل يحاول يظهر أنه موجود و انه حاضر ، و الكل يريد ان يمد يد المساعده لهذه المريضة " الغلبانة " . 
وجائت الممرضه إلى طبيب الإمتياز مسرعه برسم القلب الخاص بالفلاح و هى تحاول أن تلحق "بالزفه " المقامة الآن حول سرير المريضه و مدير المستشفى . 
رسم القلب تم عمله بطريقه خاطئة أدت إلى عدم ظهور جزء منه . 
طبيب الإمتياز في حيره من أمره ........
نادى على الممرضه 
جاءت إليه و علامات "القرف" على وجهها من هذا الطبيب الصغير الذى ليس لديه خبره مثل تلك التى لديها بعد 10 سنوات قضتها في هذا القسم و اصبحت بعدها على ثقة من أنها أفضل من أى طبيب هنا و أن ما ينقصها فقط هو أن تتحدث الإنجليزية !!!
طلب منها بأدب ان تعيد رسم القلب مرة أخرى 
: لأ ، أعيده ليه ، ما هو قدامك أهو ؟ إيه إللى ناقصه ؟ 
: رسم القلب ناقص و مينفعش الحكم على المريض بيه . 
: مش مهم الجزء إللى ناقص ، أهم حاجة الجزء إللى موجود ميكونش فيه حاجة 
: مينفعش ، رسم القلب لازم يتعاد من اول وجديد و يتعمل صح عشان نقدر نحكم على العيان . 
: انا مش هعمل رسم قلب تانى . 
: يعنى إيه مش هتعملى ؟!! 
: مش هعمل تانى ، رسم القلب يتعمل مرة واحده .....هو إحنا فاضيين عشان نعمل لعيان رسم قلب مرتيين . 
طبيب الإمتياز شعر أن البقية الباقيه من كرامته تهان الآن من قبل الممرضة التى تعلن بصراحة و بدون مواربه انها لن تنفذ أوامره لأنها تشكك في قدراته الطبية . 
وكأى طبيب إمتياز جديد .....بدأ الصراع النفسي يشتد 
لكنه أتخذ قراره 
إنت هتعيدى رسم القلب ده حالا ....أنا الدكتور هنا ، و انا إللى أقول رسم القلب ده ينفع و لا لأ . 
كان صوته قد ارتفع لدرجة لاحظها كل الموجودين بالغرفة دون أن يعلقوا عليها 
وشعرت الممرضه أنها فى موقف محرج فذهبت غاضبة لإعاده رسم القلب . 
الطبيب ظل واقفا في مكانه 
حاله من الإرتباك تسيطر عليه 
طائفه الموالسين لازالت مع مدير المستشفى لا تلقى بالا لهذا المريض الفقير الذى يشتكى من ألم "بسيط " في صدره . 
و الممرضه تعيد رسم القلب للمرة الثانية و هى في قمة الغضب 
و الطبيب في الإنتظار . 
..........
جاءت الممرضع تحمل رسم القلب للمرة الثانية 
وبدا أن هناك شئ ما غير طبيعى 
ذهب طبيب الإمتياز إلى النائب 
: فين الحاله دى ؟ 
:في أول العناية 
: دى لازم تتحجز بسرعه ، دا عنده جلطه على القلب . 

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

 


الخميس، سبتمبر ٢٥، ٢٠٠٨

زيتون الشوارع

بقليل من الجرأة، يمكن القول إنها واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً ممن رأيت في حياتي.. ولا أقول ذلك لأنني سلوى..

تلك هي الست زينب.

تأخذك بساطتها، قامتها، لهجتها المُطعَّمة بلهجة أهل فلسطين، يأخذك بريق عينيها، وثقتها في شرعية سؤالها الصعب، وهو يحمل عذاب الإجابة، لا الإجابة نفسها. 

: أحياناً أتساءل، أكان يمكن أن أكون أقل غربة هناك بين أهلي؟ أحياناً أتساءل، ما الذي فقدته هناك في فلسطين لأواصل الحياة هنا لاجئةً، على بعد ساعات من وطني وأهلي؟ أحياناً أقول إن بإمكاني العودة إليهم، إلى ذكريات طفولتي، أسترجعها، وأعيش ما لم أعشه منها؛ لكن شيئاً ما أحس أنه انتُزع مني هناك في فلسطين، هل اسميه حياتي؟ هل أقول خيار روحي في أن أكون الإنسان الذي أريد، وكما تشتهي كلُّ خليَّة فيه؟ 

..أنا زينب، أنظر إلى نفسي الآن، ولا يخطر ببالي للحظة أنني أخطأت الاتجاه، حتى وأنا أنظر إلى هؤلاء الذين حولي وهم يرسمون صورتي، كما لو انهم يرسمون النهايات.. 

.. كلما أصبحتَ جزءاً من فكرتكَ، قالوا إنكَ موشك على الجنون، أما حين تصبحها فإنكَ الجنون نفسه! أليس كذلك؟ كأن هناك مسافة أمان لا بد منها بينك وبين نفسك، إذا تجاوزتها ستخسر كلَّ شيء. 

.. كنت أحشر أمتعتي في حقيبة صغيرة، أبكي وأضحك في الوقت نفسه، لكني، حتى الآن، لا أستطيع إدراك السبب الحقيقي لذلك البكاء، ولا لذلك الضحك. 

وحين قلتُ لعلاء الدين: لا بد لي من أن آخذ الكتب. 

قال: في هذه لا أستطيع أن أقول لا. 

دخل خلْفي، وحين بدأتُ بإنـزالها من على الرفّ، ضحك، وقال لي : هذا الكتاب موجود لدينا في البلد، وهذا، وهذا. 

لم أصدّق أن مكتبتين، واحدة هنا في (السبع بحرات) والثانية في (عكا) تعيشان حالة التوأمة هذه. 

: أنتَ تمزح! قلت له.

: لا، لا أمزح والله. 

كانت الحقيقة بسيطة، لكنها جميلة، وهي أن هذه الكتب صادرة ضمن سلاسل شائعة لا أكثر، لكنني اعتبرتُ تلك الحادثة فأل خير. 

***

تحرك الجمرُ في قلبِ أهل البلد: لقد تأخر علاء الدين، هل يكون قد حدث له مكروه لا سمح الله، هل أمسكوه في الطريق؟ هل نرسل أحداً للبحث عنه؟ 

مصادر السلاح معروفة لهم، والحاج عبد الحميد، صديق قديم للثورة، حـارب معهم كثيراً وهم يرجونه: يا حاج استرح أنت، عمركَ لا يساعدك. 

ويُحرجهم: اعترفوا.. أنتم زهقتم مني، أصبحتُ ثقيلاً عليكم! 

: لا والله.. اذهب إلى وطنك وأحضر أسرتك وتعال، ثم ادخل البلد من الجهة التي تريد، واختر البيتَ الذي يعجبك. 

: اسمعوا، لم يزل فيَّ بعض القوة، ومن العيب إهدارها في مكان آخر، أو مهمة أخرى أقل نُبلاً من هذه المهمة. 

لكنه اعترف أخيراً أنه كبر، حين لم يستطع الانسحاب من إحدى المعارك الصغيرة، مما أدّى إلى بقاء عدد من المقاتلين الشباب معه. 

: انسحبوا أنتم، أنا سأبقى. 

: لن يكون. 

كانت الأسلحة الإنجليزية تتدفق إلى أيدي الصهاينة دون توقف، وبدا واضحاً أن الحالة كلها تسير في اتجاه غير ذلك الذي ظلّت تسير فيه إلى أمد طويل. المعارك أكثر شراسة، وحتى الصغيرة منها. نهاراً كاملاً حوصروا، رأوا الموت خلاله يذرع التلال، ويُحْكِمُ ظلامَه عليهم، وظلوا يقاتلون، وهم يرون أن كل رصاصة يطلقونها، جزء من روحهم، وخطوة للموت باتجاههم في زمن الرصاص القليل ذاك. 

***

: ستكون مركز حصولنا على السلاح في الشّام، قالوا له. 

***

: أحببته منذ رأيته، خرجتُ لأفتح الباب، وانفتحتْ أبواب قلبي كلها ذلك النهار. 

: قولي للوالد: جاي، والنخلة جايّة معاه!!

: مين؟

: النخلة!

ولم يكن ثمة نخل معه، لا أمامه، ولا خلْفه، ولا على جانبيه. 

:لم أفهم! 

: كما قلتِ لكِ، قولي للحاج: جاي، والنخلة جايِّه معاه. 

قلت: لعله النخلة نفسها، كان طويلاً ووسيماً، ببدلته السوداء وطربوشه الأحمر. 

: مين يا زينب؟

جاءني صوت أبي عبر الحوش، وكنتُ أمام الباب حائرة. 

: مين ؟ أعاد السؤال. 

قلت مرتبكة: جاي، والنخلة جايّه معاه. 

: ادخليها، ادخليه بسرعة. قال لي بلهفة. 

فعرفت أي خطأ ارتكبته حين أبقيته هناك أمام الباب ينتظر. 

حدّق فيه أبي ، وهتف مبتهجاً كطفل: علاء الدين؟! الله.. لقد أصبحت رجلاً. 

***

: أين الست زينب؟

صرخت سلوى في وجه عبد الرحمن.

: أينها؟!

ودقّت على المخطوط

: لم أرَ غير شبحها هنا، كلّنا تحولْنا إلى أشباح حين كتبتَ عنا، وقد كنا بشراً، أتفهم ما معنى كلمة بشر؟ من لحم ودم وروح. 

***

لقد كانت ليالينا طويلة، أنا والست زينب، بما يكفي لأن نستعيد حكاياتنا آلاف المرات. لم يكن لدينا في الحقيقة غير الليالي.

***

: قال لي أبي فيما بعد، إنه كان يحبُّ هذا الفتى حباً خاصاً، لأنه أذكى عفريت صغير شاهده في حياته، وقد استطاع بجرأة نادرة تهريب مسدّسين وقنبلة إلى السجناء الثوار في سجن (عكا) مكّنتهم من الهروب، بعد أن هددوا بها الحراس. هذا هو علاء الدين يا زينب. 

: وأحببته. قالتْ لي. أحببته أكثر، ولم تكن فلسطين قد تحولتْ إلى قطعة لحم يلوكها كل من له أسنان، كما يحدث اليوم. كانت جزءاً أصيلاً من شرف الناس. تعرفين يا سلوى! لقد أُعطيتْ الإنسانية مدة كافية لتثبت أن لها ضميراً في المسألة الفلسطينية، لكنها للأسف أثبتت، حتى اليوم، أنها بلا ضمير. بالنسبة لي، بقيتُ أتساءل: هل أحببته فعلاً، أم أنني كنت ألبي دعوة غامضة من ذلك البلد الذي جاء منه؟ أيامها، لم يكن الإنسان يفكر مرتين، إذا ما سمع النداء: إخوانكم في الجبل (الفلاني) محاصرون، ويطلبون نجدة، كان الإنسان يُلقي ما في يده ويمضي دون أن يلتفت وراءه، كان نداء الحرية أكبر من نداء الخبز، وأجمل من الأولاد والزوجة والوظيفة ودفء البيت. 

***

: هل بقي شيء يا علاء الدين تريد أن تأخذه معك؟

سأله أبي . 

: ارتبك. وكان طوال الوقت يتباطأ. 

: يمكن أن نحضر السلاح غداً، بعدَ غدٍ، أريد أن أرى مدينتكم أيضاً. 

ولم يكن يغادر بيتنا

: ترى مدينتنا وأنتَ بين أربعة حيطان! لقد تأخرتَ أكثر مما يجب، عليك أن تُجهّز نفسكَ للعودة غداً. 

:غداً!! ولكن، عمّي، لم أرها بعد. 

: اطمئن.. ستراها كثيراً هناك! 

ولم يبق له كلام يقوله. 

: يا زينب. 

: نعم أبي. 

: جهزي نفسك ستذهبين مع علاء الدين غداً، أما الليلة فسنكتبُ كتابكما. 

: أبي!!

وطرتُ فرحاً. 

: أنا بمقام والدكَ، وأستطيع أن أزوّجكَ أيضاً، وعلى كيفي!! قال لعلاء الدين

: عمّي!!

: العبْ غيرَها، هذه الحركات نعرفها حتى قبل أن تولدوا، أنسيتَ أنني كنتُ شاباً أيضاً. 

***

: بكيتُ حين ودَّعتُ أُمي، أبي ، وأُختيَّ؛ ولم أكن أعرف سبب البكاء، هل لأنني فرِحَة بذهابي معه، أم فرِحة لأنني سأرى فلسطين أخيراً، فلسطين التي لم أرها بعيدة في أيّ يوم من الأيام، لأقول بأنها ستبعدني عن أهلي. 

: أمي أسمتني علاء الدين، لأنها أحبّت حكاياته في ألف ليلة وليلة. قال لي في الطريق. 

***

: تناسوا قلقَهم كلَّه، تناسوا أنهم أرسلوه لإحضار السلاح، حين رأوني معه، والتَفَّتْ البلدُ حولي

:علاء الدين، ما الحكاية؟!

سألوه. 

: زوجتي، أشار إليّ. 

وعمَّ الوجوم. 

: زينب، ابنة الحاج عبد الحميد. أضاف.

:ابنة الحاج عبد الحميد!

.. لم أكن أُدرك مكانة أبي عندهم قبل ذلك، مئات الشفاه اندفعتْ تُقبِّلني دون توقف، غير مُصدِّقة؛ شفاه تهذي: ابنة الحاج عبد الحميد، يا هلا. 

لم أكن محبوبةً في حياتي كما كنتُ محبوبةً تلك اللحظة. حتى حب علاء الدين لم يكن يماثل ذلك الحب. كنتُ أعتقد أن لقائي به، أجمل لحظة في حياتي، لا.. كانت تلك أجمل لحظة في حياتي، إلى أن أطلَّ أيمن على الدنيا؛ حينها، التفتُّ خلفي، ورأيت زماني كلّه هناك، وهمستُ في أُذنه: الأمل فيك! أيمن الذي كدتُ أن أضيِّعَه في ليلة الموت تلك، حين عبرتُ البر بحثاً عن علاء الدين. 

***

وحيداً أطلَّ حصانه، وحزيناً، في ذلك الغروب. تردد كثيراً عند الباب، قبل أن يصهل، ويمزِّق ذلك المساء بحوافره، ويبكي. 

وعرفت: كان الكائن الوحيد الذي تجرأ على إيصال الخبر إليّ، وظلَّ يصهل، ويبكي، إلى أن وجدتني فوق ظهره. 

: إلى أين يا زينب؟! 

خيطانِ من الدمع فوق وجه الحصان، وآخران على وجه زينب. 

راح يعدو، ويعدو.. ولا شيء غير العتمة أمامه، لا شيء غير العتمة خلفه.. 

وفجأة توقف. 

: مَنْ هناك؟!

: سمعتُ الرجال يصرخون. ترجَّلْتُ عنه. 

: أنا زينب. 

: ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟

.. كانوا غاضبين. 

: أين علاء الدين؟

.. صمتوا. 

.. منذ ثلاثة أيام، كانت البلد تتابع معركة الجسر، مرة يستعيده رجال البلد، ومرة تحتله عصابات شتيرن. ولم يكن أحد الطرفين يريد تدميره، لأن لكل منهما مصلحته في أن يظل قائماً. 

ثلاثة أيام، ثم أصبح الجسر في المنتصف، لا بيد هؤلاء، ولا بيد أولئك، بعد أن اضطر رجال البلد للانسحاب، مُخَلّفين علاء الدين تحته. 

: سأحضره. 

: ماذا تقولين؟ إن أية حركة يمكن أن تصدر عنا في هذا الليل يسمعونها بسهولة في الطرف المقابل، لذا، فإن عيونهم عليه. انتظري حتى الصبح وسترين بعينيك؛ لو كان بإمكاننا أن نصل إليه لما تركناه هناك. 

.. لم ينسوا مرّة أنني ابنة الحاج عبد الحميد، ولذا حين كانوا يتحدثون معي، أحس بأنهم يتحدثون معه، لأن جزءاً منه فيّ. 

.. وغافلنا الحصان، انطلق إلى هناك، يعدو. 

وفجأة، فُتحتْ أبوابُ جهنَّم، وأضاء الرصاص التلال، انفجرت القذائف، وسطع وميضها الأسود الناري، وتراقص في العتمة ظلّ حصان. 

ورأيناه يعود. 

هل وصل؟ 

لم نعرف 

وكان أكثر هياجاً وهو يتجاوزنا ليختفي بعيداً خلفنا في الليل، ويعود ثانية قبل شروق الشمس مُنهكاً. 

***

تحت شمس حزينة، بين تلَّين من صخور محترقة، عارياً تحتَ فوهات البنادق، كان الجسر. 

تراجعتْ زينب بعيداً وراء التلّة، وهناك، صامتةً بقيتْ مع الحصان إلى أن جاء الليل ثانية. 

غافلَتْه، أحكمتْ رباطه في شجيرة عُلّيق، وتسللتْ وحيدة. 

تحسستِ الأرض طويلاً، باحثةً عن جسده في المكان، باحثةً عن وجهه، عن عينيه اللتين رآها بهما، عن يديه. 

وفجأة وجدتْهُ بين يديها، جثة لا أكثر. 

: كنتُ أريدُ أن أصرخ. لكنني لم أستطع، سيقتلونه ثانية، وكنت مذهولة، كأننا لم نعش زمن الشهادة من قبل. ورحتُ أجرُّهُ مبتعدة، حين فُتِحَتْ أبوابُ جهنَّم فوق رأسي. 

قلت: كان عليَّ أن أصرخ. وبدأتُ أصرخ، لا خوفاً، بل لأنني أريد أن أصرخ. وهدأ الرصاص فهدأتُ. وفوجئت بجسدي فوق جسده. أحميه من الرصاص، الرصاص الذي ظلَّ يدوّي في أُذني عمراً كاملاً. 

... ورحتُ أَجرُّه ثانية، إلى أن أوصلتُه، وضعناه فوق حصانه، وعدتُ به. كانت الشمس تشرق بعيداً ورائي، إلى درجة أنني خلتها لن تصلني أبداً، لن تتوسط السماء. وحين هبّوا لإنـزاله، لم أكن هناك. لكن شيئاً بي تنبه، وعاد من غيبوبته، فصرختُ، بكيتُ، كما لو أنه قُتِلَ ثانية. 

كانت إحدى يديه من الرسغ مبتورة.. وليستْ هناك. 

***

سندفنه. 

: صرختُ لا.. لن ندفنه قبل أن أحضر يده، لن أدفنه.

: اعقلي يا زينب. 

: لن أدفنه. 

وأغميَ عليَّ قربَهُ، وحين صحوتُ، وجدتُ يديَّ قابضتين على ذراعه. 

قالوا فيما بعد: إنهم كانوا يريدون دفنه، لكنهم لم يستطيعوا أن يُخلِّصوا ذراعه من بين أصابعي، دون أن تتكسر هذه الأصابع. 

موزَّعاً بين مكانين.. 

وزينبُ بينهما، ومعها حصانه. 

عادتْ مساءً للتلّة، حيث كان الرجال لا يزالون هناك، وخلفها، بعيداً، كانت تتبعها أمّه. 

قالوا: نحن سنأتي بيده من هناك. 

: إذا كان لا بدَّ لأحد من أن يموت من أجل يده، فهو أنا. 

في ذلك الوعر، وجدتْ زينبُ نفسَها تحبو ثانية، تزحف، بأصابع دامية وقدمين ممزقتين وقلب مكسور، إلى أن وصلتْ. تتحسس الأرض وتبكي. 

: ماذا لو أخذوها معهم ليثبتوا أنهم قتلوه؟ هذه ليست المرة الأولى التي يفعلونها. 

وصرختْ في داخلها: يجب أن تكون هنا. 

واندفعتْ تبحثْ محمومةً. 

: وأخيراً، عثرتْ أصابعي بها، أصابعي العمياء، ارتجفتُ، بكيتُ، وكان بودّي أن أصرخ، أن أموت هناك، وحاولتُ أن استعيدَ دفء يده، بعيداً عن هذه اليد الباردة، يده التي تعرفني، تعرف يدي، تعرف كتفيّ، شعري، يده الملوِّحة لي، الضاحكة، المنسابة، يده التي أعرفها. كان بودّي أن أصرخ: أينها، لكنني خفتُ أن يدفنوه دون هذه اليد التي لا تتذكرني. اليد التي تذكَّرتني، اليد المرتبكة التي راحتْ تلتجئ إليَّ وتختفي في صدري. كان يجب أن أجدها.. وإلا لكنتُ أمضيتُ العمرَ باحثةً عنها. 

: جبتيها؟!

: عمتي!!

وبكيتُ، ويدي تمتد إلى صدري لتخرجَها. 

وعدنا. 

امرأتان وحصان

وثلاثة قلوب مكسورة 

: اتركونا معه. 

قالت أُمّه وهي تحتضن رأسه بين ركبتيها. 

وكان حصانه هائجاً في الحوش. 

صرختْ زينب: ادخلوه. 

أطلّوا من الباب: مَنْ؟

: حصانه. 

: حصانه!!

وصرختْ أُمه: سمعتم.. أليس كذلك؟

ودخل حصانه، حصانه الذي تمدّدَ إلى جواره، مُلصقاً عنقه ووجهه بالأرض، هادئاً.. ويبكي. 

***

بيدين مرتجفتين، وعينين زائغتين بالدمع، راحتْ زينب تخيطُ يده.

: اعطيني الإبرة يا ابنتي. 

وأزاحتْ أُمه رأسَه، وضعتْه على ركبة زينب، وراحت يداها تعملان، يداها اللتان أحستْ بأنها تراهما لأول مرة، ذابلتين، كما لو أنهما لن تزرعا شجرة أبــــداً. 

يمتلئ وجهها بالدمع، تتوقف، تسمحه بطرف كمّها، وتواصل. 

ليلة كاملة.. 

وأطل الفجر.. 

طرقوا عليهم الباب، ودخلوا وجِلين..

: الآن يمكن أن تدفنوه. قالتْ زينب.

: هيا.. احملوه. قالت أمه. 

وساروا.. وسار حصانه خلف الجناز
جزء من رواية زيتون الشوارع 

الأربعاء، سبتمبر ١٠، ٢٠٠٨

من حيث لا يحتسب


 من حيث لا يحتسب 

وقف امام المرأه يصفف شعره للمرة الأخيرة 
تأكد من ان هندامه جيد 
وابتسم 
فهذه من الأيام القليله التى يستيقظ فيها مبكرا في يوم سفره ، ويجد متسعا من الوقت لكى يتناول طعام الأفطار ( وهى عاده كاد أن يتخلى عنها ) ولكى يشرب كوباية شاى متينه ، 
روحه المعنوية كانت في أوجها فهو اليوم ذاهب ليبدأ أول خطوة عمليه لتحقيق ما كان يخطط له منذ فترة . 
فقد كان حلمه بالإلتحاق بدبلومة في كليه سياسه و إقتصاد لمده عام على وشك التحقق ، كان قد قرر في أخر عام دراسي له بالكليه بانه يجب ان يدرس في كلية سياسه و إقتصاد من أن لأخر لأن هذه هى المتعه التى من الممكن أن تخفف عنه من أجواء عمله التى يمر بها . 
ولأنه كان لايزال في مقتبل حياته و حجم الإيرادات أقل كثيرا من الصادرات ، و هو في حاجه لكل مبلغ من اجل أشياء كثيرة أخرى ، و انه كان قد قرر أن متعته هذه يجب أن يقوم بها بنفسه و بدون أن يقترض من أحد فانه ظل لفترة 3 شهور يجهز في المبلغ المطلوب لهذه الدبلومة . 
تأكد من ان الموبايل مشحون و أن معه رصيد كافي ، و فكر في ان صديقه القاهرى ربما يكون يعد نفسه الآن أيضا للخروج من منزله رغم أن صديقه القاهرى في القاهرة و هو في الفيوم !! فزحمه المرور بالقاهرة لا يمكن توقع متى تبدأ ولا متى تنتهى . 
و أخيرا 
قرر أن يصلى ركعتى الإستخاره للمرة الثالثه خلال 3 شهور قبل ذهابه للتقديم .
نتيجة الركعتين السابقتين كانتا في صالحه . فالمال جاء بيسر ، و الوقت الازم للدورة استطاع تدبيره . و الاستعداد النفسي كان في قمته . 
صلى الركعتين 
وبدأ في التحرك 
كان ينقصه خطوة واحده فقط قبل مغادرته المنزل 
أن يأخد المال الازم للتسجيل بالدبلومة ، و هو يحتفظ به في مكان أمن لا يعرفه أحد إلا هو ، حتى اهله بالمنزل لا يعلمون به و لا يعلمون بوجود مثل هكذا مبلغ معه . 
ذهب بثقه 
فتح الدرج 
فلم يجد المال 
..................

كرر البحث 
فلم يجد شيئا 
فكرر البحث ثانية 
فلم يجد شيئا ايضا 
وخلال الساعتين التاليتين كان يبحث في كافه أرجاء الغرفه بحثا عن المال !!

وفى الوقت الذى يجب أن يقابل فيه صديقه القاهرى امام باب جامعه القاهرة اتصل عليه ليخبره باعتذاره ، و عندما سأله عن السبب لم يعرف بماذا يجيب 

لا احد يعرف مكان هذا المال في كل الأحياء على وجه الأرض إلا أنا . 
ولم يكن هناك أحد بالمنزل عندما أتيت من يومين لأضع المال في هذا المكان 
ولا يعلم أحد في هذا العالم أن لدى هذا المبلغ إلا صديق واحد فقط من مدينه أخرى غير مدينتى 
وهو لم يأتى لزياراتى 
ولا يعرف أين أضع المال 
فأين ذهب المال إذا ؟!!

؟؟؟؟؟؟؟

قبل هذه الواقعه بشهرين 
كان في حاجة ماسه إلى مبلغ معين من المال . 
ولم يكن لديه 
فهو في بدايه تخرجة و المال لم يأتى بعد 
ولا يريد ان يبدأ حياته بالإستدانه 
فبئس البداية هى 
طلب من أهله أن يعيروه مبلغا فقالوا:
 ليس لدينا الآن لكننا سنحاول تدبره من غير الإستدانه لكننا لا نعدك بشئ 
مالحل إذا ؟!! 
مأزق كيف يتغلب عليه 
بعدها بيومين وبينما كانت والدته تقوم بجولات النظافه في أرجاء المنزل وجدت مظروف به ثلاث أضعاف المبلغ المطلوب . 
توقعوا أنه قد فقد من أحد زوار منزلهم خلال الفترة الماضيه 
لكن لا احد منذ 6 شهور قد زارهم ومعه هذا القدر من المال 
إذا 
المال خاص بالبيت 
لكن من جمعه ووضعه في المظروف ؟ 
وكيف نسى كل هذه المده ؟ 
غريبه 
يأتى المال من حيث لا نحتسب 
ويذهب أيضا !



الجمعة، أغسطس ١٥، ٢٠٠٨

في الجنة


" عاوز تقضي ليلة في الجنة ؟!" 

" هكذا تحدث صديق لى في ليله رأس السنة لعام 2007 عارضا على عرضا لم يكن لى أن أرفضه بأى حال من الأحوال ، فأن تقضى ليله رأس السنه في فندق سيتى ستارز " أفخم فندق في مصر " و أن تحضر الحفل الغنائى الذى يحيه :هيفاء وهبى و تامر حسنى و شيرين فهذا عرض غير قابل للرفض بأى حال من الأحوال ، إذا أضفنا إلى هذا أن هذه الليله سوف تكون مجانيه فإن رفض العرض يصبح من رابع المستحيلات ! " 

هكذا بدأ صديقى الحوار لنا جميعا 
و لأن البداية كانت مشوقه فإن الكل أنصت منتظر التفاصيل .

" لم يكن لى أن أقول لا ، و انا الذى لا أستطيع أن أقول لا لو جائنى جزء واحد فقط من هذا العرض في الظروف العادية ، لذلك فلم يكن لى إلا أن اوافق ! ، حجز غرفه مزدوجة في ليله رأس السنه لطبيب كبير من الصعيد ، و لأن الطبيب ينتظره مرضى يطلبون العلاح على يديه ، و لأنه رأى أن هذا وقت ضائع لا طائل من ورائه و سفر طويل من أجل لا شئ فإنه عرض على أنا أن أحضر مكانه و ان تكون التذكرتين ملك لى ! " 

ـ طول عمرك محظوط 
ـ يا بن ال......، طيب و العروض دى إشمعنى تاجى لك إنت بس ، الحاجات دى مش بتتعرض علينا ليه ؟ 
ـ تتعرض عليك إيه يا عم ، إنت أصلا مش عارف الأماكن دى فين و لاعمرك سمعت عنها ، تعرف فين فندق سيتى ستارز ده ؟ 
ـ يعنى إنت إللى تعرف ! ، مش عاوزك تعمل فيها داير ومقطع السمكة و ديلها . 
ـ يا جماعه إنتم كده طلعتنونا من القصه ، كمل يا عم .... كمل . 
ـ عجباك القصه أوى ، يعنى هيكون فيها أيه جديد ؟ 
ـ أدينا بنتسلى . 

" كانت هذه اول مرة أدخل فيها الفندق ، بالفعل حاجة تحفه ، انا دخلت قبل كده فنادق كتير بس ده حاجة مختلفه بالفعل "
 
ـ فنادق كتير أيه يا عم إنت هتصيع علينا. صعب اوى أنك تدخل أى فندق بالسهوله دى . 

" أنا دخلت فنادق من خلال أفراح إصحابي و قرايبى أو إنك تعمل نفسك تبع الفرح و بكده ممكن تدخل بسهوله أى فندق، بس هى محتاجه شويه جرئه " 
" الهول إللى جلسنا فيه حاجة فخمة جدا ، جدا .....حاجة روعه ، و كميه بشر كتييييير ، بس بشر نظيفه ،..... مش زى الأشكال إللى انا شايفها قدامى دلوقت .هههه " 

ـ مالها الأشكال دى ، مش تبص لنفسك الأول ؟ 
ـ انا مش عاوزك تصيع علينا ، وقبل ماتقول الأشكال دى بص لنفسك . 
ـ الأشكال دى قال ، إنت نسيت أصلك ولا إيه ، كل ده عشان ليله في سيتى ستارز جتلك هديه ، امال لو رايح بفلوسك هتعمل إيه ، هههه 
_ يا بنى دا إحنا أنضف أشكال إنت تعرفها .

" خلاص ، خلاص ...إنت هتزعلوا ولا إيه ، دا إنتم في الأول و الأخر أصحابي ، المهم بشر كتيييير قوى ،بس ليهم خاصيه مميزة ....و سكت قليلا
........................
كل واحد معاه واحده " 
ـ طبيعى طبعا ، إيه إللى هيخلى واحد يدفع دم قلبه في ليله زى دى إلا إذا كان معاه واحده !

" بس مش أى واحده ، بنات حاجى تااانى خالص ، نظافه و شياكة و رقه و هدوم على أخر موضه " 

ـ هدوم إيه ، هما كانوا لابسين ؟ 
" يعنى إللى لابس فيهم ههههههههه 
متفهمونيش غلط بس إللى لابس زيه زى إللى مش لابس ، كله في النهاية يؤدى إلى نفس النتيجة هههههه" 

و انتشر الضحك في المجموعه ، و بعض التعليقات التى تعرفونها بالتأكيد 
و كنت بدأت أقلق 
فالحوار يسير في منطقه حرجة 
ثم إن الوقت غير مناسب تماما 
فقد كان هذا بعد إنتهائنا من صلاه التراويح في رمضان وجلوسنا في حديقه المدينه الجامعية بالقاهرة للسمر قليلا قبل العوده إلى المذاكرة . حيث كنا على بعد شهر ونصف من إمتحانات البكالوريوس .
ومع هبوب نسمه الهواء التاليه كان الضحك قد قارب على نهايته 

" قبل منتصف الليل بدقائق تجمعت الناس كلها تحت في المول ، إللى بيجرى و إللى بيصرخ و إللى ماسك إيد حبيبته و بيقولها كلام ......و كل مالوقت يقرب من منتصف الليل كان عدد الناس بيزيد . وقبل دقيقه من الساعه 12 كانت الناس كتيييره قوى واقفه في أرضيه المول وفي كل دور ناس واقفه في نهايه الدور بحيث تكون شايفه الناس المتجمعين في وسط المول ، أنا رفعت عينى فوق لقيت أدوار كتيييير أوى و في كل دور ناس كتير اوى بتتفرج علينا من فوق و هى كمان بتصرخ 
9 8 7 6 وصوت الصراخ يزيد و يزيد 
و النور كله إطفئ في المول و لم يتبقى إلا صوت الساعه و هى تتحرك في كل ثانية و الناس تتابعها بالعد بصوت مرتفع 
5 4 3 2 1 هاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
ومع دقه الثانية عشر إنطلقت بالونات حمراء من كل دور بكميات كبير ، وبعد ثوانى تبدأ هذه البالونات بالإنفجار ليخرج منها قلوب حمراء عليها أسماء ، او يخرج منها زينه جميله الشكل ليصبح الفراغ الذى يمتد من ارضيه المول إلى أخر دور فيه عبارة عن بالونات أو قلوب او زينه كل هذا و النور مطفئ و موسيقى عاليه تملأ المكان و الليزر يزيد الموضوع بهرجة و جمالا " 

كانت الوجوه مندهشة من الحكى و من هذا العالم الجديد الذى يطرق مسامعهم ربما للمرة الأولى محاولين تصور هذا الكلام 

" و إنت وسط كل الناس دى لازم تعمل زيهم ،
طبعا فيه ناس خدت الgirl friend بتاعتهم بالحضن ، و فيه إللى باسوا بعض ، و فيه إللى كان بيطلع هديه لحبيبته ، كل واحد ودماغه " 

ــ و إنت عاملت إيه ؟ 
ـ هيكون عمل إيه يعنى ، خد صاحبه بالحضن ، ههههه
ـ و اما إنت مش معاك حد "طرى " تروح بيه مكان زى ده ، رحت ليه من الأول !؟
الحوار يذهب إلى مناطق مجهوله بالنسبه لى ، وزادت قناعتى بانى يجدب أن أتدخل في لحظة ما لأقول شئ ما . 
" أنا رحت أصلا و أنا في قمة التعب ، أنا لم استلم الحجز إلا في نفس اليوم بالنهار ، و كان عندى شوية مشاغل خلصتها ، و رحت المول بالليل ، مكنش فيه وقت إنى أظبط حد قبل ما أروح ههههههه ، وبعد كده انا معرفش حد مستواه يسمح له إنه يروح اماكن زى دى ، الأماكن دى مينفعش أى حد يروح معايا فيها عشان ميعملش ليا فضيحة "

ـ طيب متنسانيش السنه الجاية لما تاخد التذكرتين 

" بقولك ناس نظيفه ، إنت نظيف ؟؟" 

ـ يعنى إنت إللى نظيف ؟ ههههههههه
وانطلق فاصل أخر من الضحك 

" على العموم انا كنت تعبان جدا عشان كده لم أحضر الحفل خاصه و إن فيه تامر حسنى و أنتم عارفين إني مش بحب الشخص ده " 

ـ بس فيه شيرين ، و فيه هيفاء وهبى و دى شخصيات إنت أكيد بتحبها ؟ هههههه

" أنا كنت تعبان قوى قوى ، علاوة على أن المكان كان زحمه قوى فقررت إن أطلع غرفتى بالفندق " 

ـ يا فقرى ، حد يسيب حفله زى ده و لو هيموت حتى ، إنت تطول تحضر حفل لهيفاء وهبي ؟! يا فقرى 
ـ أنا مش قلتلكم أنه فقرى و ملوش في الحاجات دى 

"على العموم ، طلعت أنا وصاحبى إللى قالى "عاوز تقضى يوم في الجنه "الفندق ، غرفه لشخصين ،جميله جدا ، أنيقه جدا ، فيها تلفزيون فيه كل القنوات إللى انا أعرفها و إللى معرفهاش و خط تليفون دولى ، و ثلاجة فيها كل أنواع المشروبات و كل انواع الخمور بالطبع ، و منظر غايه في الجمال من نافذة الغرفه .........جو أسطورى " 

ـ يا محظوظ ! 
ـ الدكتور صاحبك ده أنا عاوز أتعرف عليه ، يمكن يعطينى بطاقتين لليلتين في أى فندق و خلاص . 
ـ هو فيه الكلام ده في مصر ؟ 
ـ فيه طبعا ، و أحسن من كده كمان 
ـ ده مش مكان واحد ، دا اكتر من مكان ، الناس إللى معاها فلوس في مصر كتير . ودى ناس عاوزه تتمتع و تعيش حياه حلوة من غير تعب 
ـ و من غير ما يختلطوا بالرعاع أمثالنا . 
ـ و كله بفلوسه . 
ـ دا إحنا كده مش عايشين بقى . 
ـ طبعا ! إنت فاكر العيشة إللى إحنا عيشينها دى عيشه ! إحنا مدفونيين بالحيا ! 
ـ الواحد إما يعيش بالطريقه دى يا اما ميعيش خالص. 

" أنت عارفين و ان جى انام على السرير حسيت كأنه حرير ، فقلت لصاحبى إللى معايا في الغرفة : المرتبة دى ناعمة أوى ، شكلها حرير ، الجرسون إللى كان واقف في الغرفه في هذا الوقت بالقدر يضع طعام العشاء قال لى : هى بالفعل من الحرير !" 

صمت تام 
و أكمل صاحبى للمرة الأخيرة 

" لما نمت على السرير و بدأت أسترجع الليله كلها من أولها : جه في دماغى فكرة غريبه أوى مش عارف إيه إللى جابها في دماغي في وقت زى ده " 

ـ إيه هى الفكرة دى ؟ 

" لما فندق سيتى ستارز جميل للدرحة دى ، امال الجنه هيكون شكلها إزاى ؟؟
يعنى لما يكون كل الحاجات الجميله _من وجهه نظرى _إللى أنا شفتها النهارده كانت من صنع بشر ، أمال لم تكون من صنع الرحمن نفسه هتكون عامله إيه ؟ 
كل الجمال ده في الدنيا ، طيب ......جمال الجنه هيكون شكله إزاى ؟ "

السكوت عمنا 
ونسمه هواء رمضانيه خفيفه مرت علينا جميعا لتنعش أرواحنا 

"وفجأه 
لقتنى بقوم من السرير أتوضى و أصلى ركعتين أطلب من ربنا فيهم إنى أعيش
في الجنه !"